فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 395

ولا بد من البلاء كذلك ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى. فالشدائد تستجيش مكنون القوى ومذخور الطاقة وتفتح في القلب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا تحت مطارق الشدائد. والقيم والموازين والتصورات ما كانت لتصح وتدق وتستقيم إلا في جو المحنة التي تزيل الغبش عن العيون،والران عن القلوب.

وأهم من هذا كله،أو القاعدة لهذا كله .. الالتجاء إلى اللّه وحده حين تهتز الأسناد كلها،وتتوارى الأوهام وهي شتى،ويخلو القلب إلى اللّه وحده. لا يجد سندا إلا سنده. وفي هذه اللحظة فقط تنجلي الغشاوات،وتتفتح البصيرة،وينجلي الأفق على مد البصر .. لا شيء إلا اللّه .. لا قوة إلا قوته .. لا حول إلا حوله .. لا إرادة إلا إرادته .. لا ملجأ إلا إليه .. وعندئذ تلتقي الروح بالحقيقة الواحدة التي يقوم عليها تصور صحيح ..

والنص القرآني هنا يصل بالنفس إلى هذه النقطة على الأفق: «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا:إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» ..

إنا للّه .. كلنا .. كل ما فينا .. كل كياننا وذاتيتنا .. للّه .. وإليه المرجع والمآب في كل أمر وفي كل مصير .. التسليم .. التسليم المطلق .. تسليم الالتجاء الأخير المنبثق من الالتقاء وجها لوجه بالحقيقة الوحيدة،وبالتصور الصحيح.

هؤلاء هم الصابرون .. الذين يبلغهم الرسول الكريم بالبشرى من المنعم الجليل ..

وهؤلاء هم الذين يعلن المنعم الجليل مكانهم عنده جزاء الصبر الجميل: «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ،وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» ..صلوات من ربهم .. يرفعهم بها إلى المشاركة في نصيب نبيه الذي يصلي عليه هو وملائكته سبحانه .. وهو مقام كريم .. ورحمة .. وشهادة من اللّه بأنهم هم المهتدون ..وكل أمر من هذه هائل عظيم .. [1]

وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ،قَالَ:كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ،فَجَاءَ رَسُولُ امْرَأَةٍ مِنْ بَنَاتِهِ،فقَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ،أَرْسَلَتْ إِلَيْكَ ابْنَتُكَ أَنْ تَأْتِيَهَا،فَإِنَّ صَبِيًّا لَهَا فِي الْمَوْتِ،فقَالَ:ائْتِهَا فَقُلْ لَهَا:إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ،وَلَهُ مَا أَعْطَى،وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى،فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ،قَالَ:فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 145)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت