أَيْ كَأَنَّهُ قَال:لاَ غِبْطَةَ أَعْظَمُ أَوْ أَفْضَل مِنَ الْغِبْطَةِ فِي هَذَيْنِ الأَْمْرَيْنِ [1] .
عِلاَجُ الْحَسَدِ:
ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الإِِْحْيَاءِ أَنَّ الْحَسَدَ مِنَ الأَْمْرَاضِ الْعَظِيمَةِ لِلْقُلُوبِ،وَلاَ تُدَاوَى أَمْرَاضُ الْقُلُوبِ إِلاَّ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَل،وَالْعِلْمُ النَّافِعُ لِمَرَضِ الْحَسَدِ هُوَ أَنْ تَعْرِفَ تَحْقِيقًا أَنَّ الْحَسَدَ ضَرَرٌ عَلَى الْحَاسِدِ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ،وَأَنَّهُ لاَ ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمَحْسُودِ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ .
أَمَّا كَوْنُهُ ضَرَرًا عَلَى الْحَاسِدِ فِي الدِّينِ،فَهُوَ أَنَّ الْحَاسِدَ بِالْحَسَدِ سَخِطَ قَضَاءَ اللَّهِ تَعَالَى،وَكَرِهَ نِعْمَتَهُ الَّتِي قَسَمَهَا بَيْنَ عِبَادِهِ،وَعَدْلَهُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي مُلْكِهِ بِخَفِيِّ حِكْمَتِهِ،فَاسْتَنْكَرَ ذَلِكَ وَاسْتَبْشَعَهُ وَهَذِهِ جِنَايَةٌ عَلَى حَدَقَةِ التَّوْحِيدِ،وَقَذًى فِي عَيْنِ الإِِْيمَانِ،وَكَفَى بِهِمَا جِنَايَةً عَلَى الدِّينِ .
وَأَمَّا كَوْنُ الْحَسَدِ ضَرَرًا عَلَى الْحَاسِدِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ أَنَّهُ يَتَأَلَّمُ بِحَسَدِهِ فِي الدُّنْيَا،أَوْ يَتَعَذَّبُ بِهِ وَلاَ يَزَال فِي كَمَدٍ وَغَمٍّ،إِذْ أَعْدَاؤُهُ لاَ يُخَلِّيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نِعَمٍ يُفِيضُهَا عَلَيْهِمْ،فَلاَ يَزَال يَتَعَذَّبُ بِكُل نِعْمَةٍ يَرَاهَا،وَيَتَأَلَّمُ بِكُل بَلِيَّةٍ تَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيَبْقَى مَغْمُومًا مَحْرُومًا مُتَشَعِّبَ الْقَلْبِ ضَيِّقَ الصَّدْرِ قَدْ نَزَل بِهِ مَا يَشْتَهِيهِ الأَْعْدَاءُ لَهُ وَيَشْتَهِيهِ لأَِعْدَائِهِ،فَقَدْ كَانَ يُرِيدُ الْمِحْنَةَ لِعَدُوِّهِ فَتَنَجَّزَتْ فِي الْحَال مِحْنَتُهُ وَغَمُّهُ نَقْدًا،وَمَعَ هَذَا فَلاَ تَزُول النِّعْمَةُ عَنِ الْمَحْسُودِ بِحَسَدِهِ .
وَأَمَّا أَنَّهُ لاَ ضَرَرَ عَلَى الْمَحْسُودِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ فَوَاضِحٌ،لأَِنَّ النِّعْمَةَ لاَ تُزَال عَنْهُ بِالْحَسَدِ،بَل مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إِقْبَالٍ وَنِعْمَةٍ،فَلاَ بُدَّ أَنْ يَدُومَ إِِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَلاَ حِيلَةَ فِي دَفْعِهِ،بَل كُل شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ،وَلِكُل أَجَلٍ كِتَابٌ،وَمَهْمَا لَمْ تَزُل النِّعْمَةُ بِالْحَسَدِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَحْسُودِ ضَرَرٌ فِي الدُّنْيَا وَلاَ يَكُونُ عَلَيْهِ إِثْمٌ فِي الآْخِرَةِ،وَأَمَّا أَنَّ الْمَحْسُودَ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَوَاضِحٌ [2] .
الْقَدْرُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ مِنَ الْحَسَدِ وَعَكْسُهُ وَمَا فِيهِ خِلاَفٌ:
(1) - فتح الباري 1 / 167 ط الرياض ، صحيح مسلم بشرح النووي 6 / 97 ط المصرية .
(2) - إحياء علوم الدين 3 / 193 - 195 طبعة الحلبي .