فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 395

ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ الْمَرْءَ لاَ يُمْكِنُهُ نَفْيُ الْحَسَدِ عَنْ قَلْبِهِ بِالْكُلِّيَّةِ،بَل يَبْقَى دَائِمًا فِي نِزَاعٍ مَعَ قَلْبِهِ،لأَِنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْحَسَدِ لأَِعْدَائِهِ،وَذَكَرَ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ لِلشَّخْصِ فِي أَعْدَائِهِ ثَلاَثَةَ أَحْوَالٍ:

أَحَدُهَا:أَنْ يُحِبَّ مَسَاءَتَهُمْ بِطَبْعِهِ،وَيَكْرَهَ حُبَّهُ لِذَلِكَ وَمَيْل قَلْبِهِ إِلَيْهِ بِعَقْلِهِ،وَيَمْقُتَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ،وَيَوَدَّ لَوْ كَانَتْ لَهُ حِيلَةٌ فِي إِزَالَةِ ذَلِكَ الْمَيْل مِنْهُ،وَهَذَا مَعْفُوٌّ عَنْهُ قَطْعًا،لأَِنَّهُ لاَ يَدْخُل تَحْتَ الاِخْتِيَارِ أَكْثَرُ مِنْهُ .

الثَّانِي:أَنْ يُحِبَّ ذَلِكَ وَيُظْهِرَ الْفَرَحَ بِمَسَاءَتِهِ إِمَّا بِلِسَانِهِ أَوْ بِجَوَارِحِهِ فَهَذَا . هُوَ الْحَسَدُ الْمَحْظُورُ قَطْعًا .

الثَّالِثُ:وَهُوَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ أَنْ يَحْسُدَ بِالْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ مَقْتٍ لِنَفْسِهِ عَلَى حَسَدِهِ،وَمِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ مِنْهُ عَلَى قَلْبِهِ،وَلَكِنْ يَحْفَظُ جَوَارِحَهُ عَنْ طَاعَةِ الْحَسَدِ فِي مُقْتَضَاهُ،وَهَذَا فِي مَحَل الْخِلاَفِ،وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَخْلُو عَنْ إِثْمٍ بِقَدْرِ قُوَّةِ ذَلِكَ الْحُبِّ وَضَعْفِهِ [1] .

عِلاَجُ الْمَحْسُودِ مِمَّا لَحِقَ بِهِ مِنْ أَذًى بِسَبَبِ الْحَسَدِ:

الْمَقْصُودُ بِالْعِلاَجِ هُنَا الْعِلاَجُ النَّبَوِيُّ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ:

أَحَدُهَا:الإِِْكْثَارُ مِنَ التَّعَوُّذِ،وَمِنْ ذَلِكَ قِرَاءَةُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ،وَفَاتِحَةِ الْكِتَابِ،وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ،وَالتَّعَوُّذَاتِ النَّبَوِيَّةِ،نَحْوِ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ .

الثَّانِي:الرُّقَى:وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا رُقْيَةُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الَّتِي رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ فَقَالَ « نَعَمْ » . قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ يُؤْذِيكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللَّهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ. [2]

هَذَا وَمِمَّا يُدْفَعُ بِهِ ضَرَرُ الْحَاسِدِ عَنْ غَيْرِهِ دُعَاؤُهُ لِغَيْرِهِ بِالْبَرَكَةِ وَقَوْلَةُ:مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاَللَّهِ . فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ،قَالَ:مَرَّ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ،وَهُوَ يَغْتَسِلُ فَقَالَ:لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ،وَلاَ جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ فَمَا لَبِثَ أَنْ لُبِطَ بِهِ،فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقِيلَ

(1) - إحياء علوم الدين 3 / 196 ط الحلبي .

(2) - صحيح مسلم- المكنز - (5829 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت