الأَْوَّل:أَنْ تَنْبَعِثَ مِنَ الدِّينِ دَاعِيَةُ التَّعَجُّبِ فِي إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَالْخَطَأِ فِي الدِّينِ،فَيَقُول:مَا أَعْجَبُ مَا رَأَيْت مِنْ فُلاَنٍ،فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِهِ صَادِقًا،وَيَكُونُ تَعَجُّبُهُ مِنَ الْمُنْكَرِ . وَلَكِنْ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَتَعَجَّبَ وَلاَ يَذْكُرَ اسْمَهُ،فَيُسَهِّل الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ ذِكْرَ اسْمِهِ فِي إِظْهَارِ تَعَجُّبِهِ،فَصَارَ بِهِ مُغْتَابًا وَآثِمًا مِنْ حَيْثُ لاَ يَدْرِي .
الثَّانِي:الرَّحْمَةُ،وَهُوَ أَنْ يَغْتَمَّ بِسَبَبِ مَا يُبْتَلَى بِهِ غَيْرُهُ،فَيَقُول:مِسْكِينٌ فُلاَنٌ قَدْ غَمَّنِي أَمْرُهُ،فَيَصِيرُ بِذَلِكَ مُغْتَابًا،فَيَكُونُ غَمُّهُ وَرَحْمَتُهُ خَيْرًا وَكَذَا تَعَجُّبُهُ،وَلَكِنْ سَاقَهُ الشَّيْطَانُ إِلَى شَرٍّ مِنْ حَيْثُ لاَ يَدْرِي،وَهُوَ ذِكْرُ اسْمِهِ لِيُبْطِل بِهِ ثَوَابَ اغْتِمَامِهِ وَتَرَحُّمِهِ .
الثَّالِثُ:الْغَضَبُ لِلَّهِ تَعَالَى،فَإِنَّهُ قَدْ يَغْضَبُ عَلَى مُنْكَرٍ قَارَفَهُ إِنْسَانٌ إِذَا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ،فَيُظْهِرُ غَضَبَهُ وَيَذْكُرُ اسْمَهُ،وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُظْهِرَ غَضَبَهُ عَلَيْهِ بِالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ،وَلاَ يُظْهِرُهُ عَلَى غَيْرِهِ،أَوْ يَسْتُرَ اسْمَهُ وَلاَ يَذْكُرَهُ بِالسُّوءِ .
فَهَذِهِ الثَّلاَثَةُ مِمَّا يَغْمُضُ دَرْكُهَا عَلَى الْعُلَمَاءِ فَضْلًا عَنِ الْعَوَّامِ . فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ التَّعَجُّبَ وَالرَّحْمَةَ وَالْغَضَبَ إِذَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى كَانَ عُذْرًا فِي ذِكْرِ الاِسْمِ وَهُوَ خَطَأٌ . بَل الْمُرَخَّصُ فِي الْغَيْبَةِ حَاجَاتٌ مَخْصُوصَةٌ لاَ تُرَخِّصُ الْغِيبَةَ فِي سِوَاهَا، [1] فعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ:أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ،فَرَدُّوا عَلَيْهِ السَّلاَمَ،فَلَمَّا جَاوَزَهُمْ قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ:وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْغِضُ هَذَا فِي اللهِ،فَقَالَ أَهْلُ الْمَجْلِسِ:بِئْسَ وَاللَّهِ مَا قُلْتَ،أَمَا وَاللَّهِ لَنُنَبِّئَنَّهُ،قُمْ يَا فُلاَنُ،رَجُلًا مِنْهُمْ،فَأَخْبِرْهُ،قَالَ:فَأَدْرَكَهُ رَسُولُهُمْ،فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ،فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ،مَرَرْتُ بِمَجْلِسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ فُلاَنٌ،فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ فَرَدُّوا السَّلاَمَ،فَلَمَّا جَاوَزْتُهُمْ أَدْرَكَنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فُلاَنًا قَالَ:وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْغِضُ هَذَا الرَّجُلَ فِي اللهِ،فَادْعُهُ فَسَلْهُ عَلاَمَ يُبْغِضُنِي ؟ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلَهُ عَمَّا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ،فَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ وَقَالَ:قَدْ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ،فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:فَلِمَ تُبْغِضُهُ ؟ قَالَ:أَنَا جَارُهُ وَأَنَا بِهِ خَابِرٌ،وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ يُصَلِّي صَلاَةً قَطُّ إِلاَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ الَّتِي يُصَلِّيهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ،قَالَ الرَّجُلُ:سَلْهُ يَا رَسُولَ اللهِ:هَلْ رَآنِي قَطُّ
(1) - إحياء علوم الدين 3 / 143 - 145 ط الحلبي ، ومختصر منهاج القاصدين 171 / 172 نشر مكتبة دار البيان .