الْغِشُّ فِي الْمُرَابَحَةِ:
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ شَيْئًا مُرَابَحَةً فَقَال:هُوَ عَلَيَّ بِمِائَةٍ بِعْتُكَ بِهَا وَبِرِبْحِ عَشَرَةٍ،ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ رَأْسَ مَالِهِ تِسْعُونَ،فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ،وَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا زَادَ عَلَى رَأْسِ الْمَال وَهُوَ عَشَرَةٌ وَحَظُّهَا مِنَ الرِّبْحِ - وَهُوَ دِرْهَمٌ - فَيَبْقَى عَلَى الْمُشْتَرِي بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ [1] .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُ إِذَا اشْتَرَاهُ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ وَبَاعَهُ بِرِبْحِ خَمْسَةٍ،ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْبَائِعَ اشْتَرَاهُ بِثَمَانِيَةٍ فَإِنَّهُ يَحُطُّ قَدْرَ الْخِيَانَةِ مِنَ الأَْصْل وَهُوَ الْخُمُسُ - أَيْ دِرْهَمَانِ وَمَا قَابَلَهُ مِنَ الرِّبْحِ - وَهُوَ دِرْهَمٌ،فَيَأْخُذُ الثَّوْبَ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا [2] .
وَقَدْ عَلَّل الشَّافِعِيَّةُ حَطَّ الزِّيَادَةِ وَرِبْحَهَا بِقَوْلِهِمْ:لأَِنَّهُ تَمْلِيكٌ بِاعْتِمَادِ الثَّمَنِ الأَْوَّل فَتُحَطُّ الزِّيَادَةُ عَنْهُ .
وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ:لاَ يَحُطُّ شَيْءٌ ؛ لأَِنَّهُ قَدْ سَمَّى عِوَضًا وَعَقَدَ بِهِ .
وَبِنَاءً عَلَى الْحَطِّ فَهَل لِلْمُشْتَرِي خِيَارٌ ؟ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي وَلاَ لِلْبَائِعِ،سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَبِيعُ بَاقِيًا أَمْ تَالِفًا،أَمَّا الْمُشْتَرِي فَلأَِنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِالأَْكْثَرِ فَبِالأَْقَل مِنْ بَابِ أَوْلَى،وَأَمَّا الْبَائِعُ فَلِتَدْلِيسِهِ [3] .
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ،كَمَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ [4] .
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ الْمَبِيعِ بِرَأْسِ مَالِهِ وَحِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ . وَبَيْنَ تَرْكِهِ،لأَِنَّهُ لاَ يَأْمَنُ الْخِيَانَةَ فِي هَذَا الثَّمَنِ أَيْضًا [5] .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ:إِنْ كَذَبَ الْبَائِعُ فِي إِخْبَارِهِ،كَأَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِخَمْسِينَ وَقَدْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِأَرْبَعِينَ - سَوَاءٌ أَكَانَ عَمْدًا أَمْ خَطَأً - لَزِمَ الْبَيْعُ الْمُشْتَرِيَ إِنْ حَطَّ الْبَائِعُ الزَّائِدَ
(1) - المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير 4 / 260 ، ومغني المحتاج 2 / 79 .
(2) - حاشية رد المحتار 4 / 155 ، 156 .
(3) - مغني المحتاج 2 / 79 .
(4) - المغني مع الشرح الكبير 4 / 260 .
(5) - المغني مع الشرح الكبير 4 / 260 .