وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ بَيْعَ الأَْثْمَانِ الْمَغْشُوشَةِ بِالْمَغْشُوشَةِ إِذَا كَانَ الْغِشُّ فِيهِمَا مُتَسَاوِيًا وَمَعْلُومَ الْمِقْدَارِ . وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ إِذَا كَانَ الْغِشُّ فِي الثَّمَنِ أَوِ الْمُثَمَّنِ مُتَفَاوِتًا أَوْ غَيْرَ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ،كَمَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الأَْثْمَانِ الْمَغْشُوشَةِ بِأَثْمَانٍ خَالِصَةٍ مِنْ جِنْسِهَا [1] .
الْغِشُّ فِي الْمِكْيَال وَالْمِيزَانِ:
لَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرَ الْكَيْل وَالْوَزْنِ،وَأَمَرَ بِالْوَفَاءِ فِيهِمَا،وَنَهَى عَنِ الْغِشِّ بِالْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ فِيهِمَا،وَذَلِكَ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ،مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ( أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ(181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) [الشعراء:181 - 183] )،وَتَوَعَّدَ الْمُطَفِّفِينَ بِالْوَيْل وَهَدَّدَهُمْ بِعَذَابٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ(1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) [المطففين:1 - 6] ) .
وَذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ فِي الْكَبَائِرِ وَقَال:وَذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ السَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَأَكْل الْمَال بِالْبَاطِل [2] .
وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي وَظَائِفِ الْمُحْتَسِبِ أَنَّ مِمَّا هُوَ عُمْدَةٌ نَظَرُهُ الْمَنْعُ مِنَ التَّطْفِيفِ وَالْبَخْسِ فِي الْمَكَايِيل وَالْمَوَازِينِ وَالصَّنَجَاتِ،وَأَنْ يَطْبَعَ عَلَيْهَا طَابَعُهُ،وَلَهُ الأَْدَبُ عَلَيْهِ وَالْمُعَاقَبَةُ فِيهِ،فَإِنْ زَوَّرَ قَوْمٌ عَلَى طَابَعِهِ كَانَ الزُّورُ فِيهِ كَالْمُبَهْرَجِ عَلَى طَابَعِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ،فَإِنْ قُرِنَ التَّزْوِيرُ بِغِشٍّ كَانَ الإِْنْكَارُ عَلَيْهِ وَالتَّأْدِيبُ مُسْتَحَقًّا مِنْ وَجْهَيْنِ:أَحَدُهُمَا فِي حَقِّ السَّلْطَنَةِ مِنْ جِهَةِ التَّزْوِيرِ،وَالثَّانِي مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فِي الْغِشِّ،وَهُوَ أَغْلَظُ الْمُنْكَرَيْنِ،وَإِنْ سَلِمَ التَّزْوِيرُ مِنْ غِشٍّ تَفَرَّدَ بِالإِْنْكَارِ لِحَقِّ السَّلْطَنَةِ خَاصَّةً [3] .
(1) - كشاف القناع 3 / 261 ، 262 ، والمغني 4 / 48 وما بعدها .
(2) - الكبائر للذهبي ص162 .
(3) - الأحكام السلطانية للماوردي ص221 - 224 ، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 299 ، ومعالم القرية في أحكام الحسبة ص86 ، والحسبة في الإسلام لابن تيميه ص13