وقد وصل أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - إلى الدرجات العلى من الإِيثار،فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ:أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ،فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ،أَصَابَنِي الْجَهْدُ [1] ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ،فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُمْ شَيْئًا،فَقَالَ:أَلاَ رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ،فَقَالَ:أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ،فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ،فَقَالَ لاِمْرَأَتِهِ:ضَيْفُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لاَ تَدَّخِرِي عَنْهُ شَيْئًا،فَقَالَتْ:وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلاَّ قُوتُ الصِّبْيَةِ،قَالَ:فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ،وَتَعَالِي،فَأَطْفِئِي السَّرَّاجَ،وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ،فَفَعَلَتْ،ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -:لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ،أَوْ ضَحِكَ اللَّهُ مِنْ فُلاَنٍ وَفُلاَنَةَ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر] . [2]
ومما يدل على الإِيثار قصة مؤاخاة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - بين عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، فعَنْ أَنَسٍ،قَالَ:آخَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ،فَآخَى بَيْنَ سَعْدِ بن الرَّبِيعِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ،فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ:إِنَّ لِي مَالا،فَهِيَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَطْرَانِ،وَلِي امْرَأَتَانِ،فَانْظُرْ:أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ،فَأَنَا أُطَلِّقُهَا،فَإِذَا حَلَّتْ فَتَزَوَّجْهَا،فَقَالَ:بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ،دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ،فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى رَجَعَ بِتَمْرٍ،وَأَقِطٍ،ثُمَّ أَفْضَلَهُ،وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَيْهِ أَثَرَ صُفْرَةٍ،فَقَالَ:مَهْيَمْ ؟،فَقُلْتُ:تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ،قَالَ:مَا سُقْتَ إِلَيْهَا ؟،قَالَ:وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ،قَالَ:أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ . [3]
وعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ،أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ،يَقُولُ:كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا،وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءُ،وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ،وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدْخُلُهَا،وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ،قَالَ أَنَسٌ:فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ،قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ،إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ:لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا
(1) - الجهد: هو المشقة والحاجة ، وسوء العيش والجوع ، شرح النووي على صحيح مسلم ، 14 / 254 .
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (3798 ) وصحيح مسلم- المكنز - (5481) وصحيح ابن حبان - (16 / 254) (7264)
(3) - المعجم الكبير للطبراني - (5 / 264) (5265) صحيح