الإِْيثَارُ بِالْقُرَبِ [1] :
قَال ابْنُ عَابِدِينَ:فِي حَاشِيَةِ الأَْشْبَاهِ لِلْحَمَوِيِّ عَنِ الْمُضْمِرَاتِ عَنِ النِّصَابِ:وَإِنْ سَبَقَ أَحَدٌ إِلَى الصَّفِّ الأَْوَّل فَدَخَل رَجُلٌ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا أَوْ أَهْل عِلْمٍ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَخَّرَ وَيُقَدِّمَهُ تَعْظِيمًا لَهُ . ا هـ
فَهَذَا يُفِيدُ جَوَازَ الإِْيثَارِ بِالْقُرَبِ بِلاَ كَرَاهَةٍ،وَنَقَل الْعَلاَّمَةُ الْبِيرِيُّ فُرُوعًا تَدُل عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ،وَيَدُل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } ،وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُتِىَ بِشَرَابٍ،فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ،فَقَالَ لِلْغُلاَمِ « أَتَأْذَنُ لِى أَنْ أُعْطِىَ هَؤُلاَءِ » . فَقَالَ الْغُلاَمُ لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لاَ أُوثِرُ بِنَصِيبِى مِنْكَ أَحَدًا . قَالَ فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى يَدِهِ [2] .،وَلاَ رَيْبَ أَنَّ مُقْتَضَى طَلَبِ الإِْذْنِ مَشْرُوعِيَّةُ ذَلِكَ بِلاَ كَرَاهَةٍ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أَفْضَل مِنْهُ . أ هـ .
أَقُول:وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إِذَا عَارَضَ تِلْكَ الْقُرْبَةَ مَا هُوَ أَفْضَل مِنْهَا،كَاحْتِرَامِ أَهْل الْعِلْمِ وَالأَْشْيَاخِ كَمَا أَفَادَهُ الْفَرْعُ السَّابِقُ وَالْحَدِيثُ . . .،وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل عَلَيْهِ مَا فِي النَّهْرِ مِنْ قَوْلِهِ:وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ ذَكَرُوا أَنَّ الإِْيثَارَ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الصَّفِّ الأَْوَّل فَلَمَّا أُقِيمَتْ آثَرَ بِهِ،وَقَوَاعِدُنَا لاَ تَأْبَاهُ [3] .
وَقَال السُّيُوطِيُّ:الإِْيثَارُ فِي الْقُرَبِ مَكْرُوهٌ،وَفِي غَيْرِهَا مَحْبُوبٌ،قَال تَعَالَى: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } ( سورة الحشر / 9 ) .
قَال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ:لاَ إِيثَارَ فِي الْقُرُبَاتِ،فَلاَ إِيثَارَ بِمَاءِ الطَّهَارَةِ،وَلاَ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَلاَ بِالصَّفِّ الأَْوَّل ؛ لأَِنَّ الْغَرَضَ بِالْعِبَادَاتِ التَّعْظِيمُ وَالإِْجْلاَل،فَمَنْ آثَرَ بِهِ فَقَدْ تَرَكَ إِجْلاَل الإِْلَهِ وَتَعْظِيمَهُ .
(1) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (33 / 103)
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (2451 ) -تله: دفعه إليه
(3) - حاشية ابن عابدين 1 / 382 - 383 .