فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 395

وَقَال الإِْمَامُ:لَوْ دَخَل الْوَقْتُ - وَمَعَهُ مَاءٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ - فَوَهَبَهُ لِغَيْرِهِ لِيَتَوَضَّأَ بِهِ لَمْ يَجُزْ،لاَ أَعْرِفُ فِيهِ خِلاَفًا ؛ لأَِنَّ الإِْيثَارَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّفُوسِ،لاَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرَبِ وَالْعِبَادَاتِ .

وَقَال النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ:لاَ يُقَامُ أَحَدٌ مِنْ مَجْلِسِهِ لِيُجْلَسَ فِي مَوْضِعِهِ . فَإِنْ قَامَ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يُكْرَهْ،فَإِنِ انْتَقَل إِلَى أَبْعَدَ مِنَ الإِْمَامِ كُرِهَ،قَال أَصْحَابُنَا:لأَِنَّهُ آثَرَ بِالْقُرْبَةِ .

وَقَال الْقَرَافِيُّ:مَنْ دَخَل عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلاَةِ،وَمَعَهُ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ،وَهُنَاكَ مَنْ يَحْتَاجُهُ لِلطَّهَارَةِ،لَمْ يَجُزْ لَهُ الإِْيثَارُ،وَلَوْ أَرَادَ الْمُضْطَرُّ إِيثَارَ غَيْرِهِ بِالطَّعَامِ لاِسْتِبْقَاءِ مُهْجَتِهِ،كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ مُهْجَتِهِ .

وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَقَّ فِي الطَّهَارَةِ لِلَّهِ فَلاَ يَسُوغُ فِيهِ الإِْيثَارُ،وَالْحَقُّ فِي حَال الْمَخْمَصَةِ لِنَفْسِهِ،وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُهْجَتَيْنِ عَلَى شَرَفِ التَّلَفِ إِلاَّ وَاحِدَةً تُسْتَدْرَكُ بِذَلِكَ الطَّعَامِ،فَحَسُنَ إِيثَارُ غَيْرِهِ عَلَى نَفْسِهِ .

وَقَال الْخَطِيبُ فِي الْجَامِعِ:كَرِهَ قَوْمٌ إِيثَارَ الطَّالِبِ غَيْرَهُ بِنَوْبَتِهِ فِي الْقِرَاءَةِ ؛ لأَِنَّ قِرَاءَةَ الْعِلْمِ وَالْمُسَارَعَةَ إِلَيْهِ قُرْبَةٌ وَالإِْيثَارَ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ [1] .

الإيثار لغة واصطلاحًا:

الإيثار مصدر قولهم آثره عليه يؤثره إيثارا بمعنى فضّله وقدّمه وهو مأخوذ من مادّة (أ ث ر) الّتي تدلّ على تقديم الشّيء [2]

ومن ذلك قولهم: الأثير وهو الكريم عليك الّذي تؤثره بفضلك وصلتك، وجمع الأثير أثراء، والمآثر ما يروى من مكارم الإنسان، ويستعار الأثر للفضل والإيثار للتّفضّل، وفي التّنزيل: لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا (يوسف/ 91) . وآثر أن يفعل كذا: فضّل وقدّم، قال الأصمعيّ: آثرتك إيثارا أي فضّلتك وضدّه الأثرة من قولهم استأثر بالشّي ء انفرد به أو اختصّ به نفسه، وفي الحديث: قال صلّى اللّه عليه وسلّم للأنصار: «إنّكم ستلقون بعدي

(1) - الأشباه للسيوطي ص 129 - 130 .

(2) - لهذه المادة معنيان آخران هما: رسم الشي ءالباقي، وذكر الشي ء انظر هذين المعنيين وأمثلتهما في مقاييس اللغة لابن فارس (1/ 53) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت