فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 395

أثرة فاصبروا». والاستئثار: الانفراد بالشّي ء. والمأثرة بفتح الثّاء وضمّها: المكرمة وآثرت فلانا على نفسي من الإيثار وهو الاختيار والتّفضّل [1] .

واصطلاحا:

قال القرطبيّ: الإيثار هو تقديم الغير على النّفس في حظوظها الدّنيويّة رغبة في الحظوظ الدّينيّة، وذلك ينشأ عن قوّة اليقين وتوكيد المحبّة، والصّبر على المشقّة [2] .

درجات الإيثار:

قال ابن القيّم- رحمه اللّه-: الإيثار على درجات:

الأولى: أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يخرم عليك دينا، ولا يقطع عليك طريقا، ولا يفسد عليك وقتا. يعني أن تقدّمهم على نفسك في مصالحهم، مثل أن تطعمهم وتجوع، وتكسوهم وتعرى، وتسقيهم وتظمأ، بحيث لا يؤدّي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدّين. وكلّ سبب يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع اللّه فلا تؤثر به أحدا، فإن آثرت به فإنّما تؤثر الشّيطان على اللّه وأنت لا تعلم.

الثّانية: إيثار رضا اللّه على رضا غيره وإن عظمت فيه المحن وثقلت فيه المؤن وضعف عنه الطّول والبدن وإيثار رضا اللّه- عزّ وجلّ- على غيره: هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته، ولو أغضب الخلق وهي درجة الأنبياء. وأعلاها للرّسل عليهم صلوات اللّه وسلامه. وأعلاها لأولي العزم منهم وأعلاها لنبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم وعليهم؛ فإنّه قاوم العالم كلّه، وتجرّد للدّعوة إلى اللّه، واحتمل عداوة البعيد والقريب في اللّه تعالى، وآثر رضا اللّه على رضا الخلق من كلّ وجه، ولم يأخذه في إيثار رضاه لومة لائم بل كان همّه وعزمه وسعيه كلّه مقصورا على إيثار مرضاة اللّه وتبليغ رسالاته، وإعلاء كلماته، وجهاد أعدائه؛ حتّى ظهر دين اللّه على كلّ دين وقامت حجّته على العالمين وتمّت نعمته على المؤمنين، فبلّغ الرّسالة، وأدّى الأمانة ونصح الأمّة، وجاهد في اللّه حقّ جهاده وعبد اللّه حتّى أتاه اليقين من ربّه فلم ينل أحد من درجة هذا الإيثار ما نال- صلوات اللّه وسلامه عليه.

(1) - النهاية لابن الأثير (221) ، والصحاح للجوهري (5752) ولسان العرب (1/ 26) .

(2) - تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) (18/ 18) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت