وإذا بلغك عنهم غيبة أو رأيت منهم شرًا أو أصابك منهم ما يسوءك فكلْ أمرهم إلى الله واستعذ بالله من شرهم.
ولا تشغل نفسك بالمكافأة فيزيد الضرر ويضيع العمر بشغله. ولا تقل لهم لم تعرفوا موضعي.
وأعتقد أنك لو استحقيت ذلك لجعل الله لك موضعًا في قلوبهم فالله المحبب والمبغض إلى القلوب،وكن فيهم سميعًا لحقهم أصمَّ عن باطنهم نطوقًا بحقهم صموتًا عن باطنهم.
واحذر صحبة أكثر الناس،فإنهم لا يقيلون عثرة ولا يغفرون زلة ولا يسترون عورة ويحاسبون على النقير والقطمير ويحسدون على القليل والكثير،ينتصفون ولا ينصفون ويؤاخذون على الخطأ والنسيان ولا يعفون،يغرُّون الإخوان على الإخوان بالنميمة والبهتان،فصحبة أكثرهم خسران وقطيعتهم رجحان،إن رضوا فظاهرهم الملق،وإن سخطوا فباطنهم الحنق،لا يؤمنون في حنقهم ولا يرجون في ملقهم،ظاهرهم ثياب وباطنهم ذئاب،يقطعون بالظنون،ويتغامزون وراءك بالعيون ويتربصون بصديقهم من الحسد ريب المنون،يحصون عليك العثرات في صحبتهم يواجهوك بها في غضبهم ووحشتهم.
ولا تعوِّلْ على مودة من لم تخبره حق الخبرة،بأن تصحبه مدة في دار أو موضع واحد فتجربه في عزله وولايته وغناه وفقره أو تسافر معه أو تعامله في الدينار والدرهم أو تقع في شدة فتحتاج إليه،فإن رضيته في الأحوال فاتخذه أبًا لك إن كان كبيرًا أو ابنًا لك إن كان صغيرًا أو أخاك إن كان مثلك فهذه جملة آداب المعاشرة مع أصناف الخلق [1] .
(1) - إحياء علوم الدين - (2 / 55)