فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 395

صَنْعَةً فَقَدْ ذَمَّ صَانِعَهَا،قَال رَجُلٌ لِحَكِيمٍ:يَا قَبِيحَ الْوَجْهِ،قَال:مَا كَانَ خَلْقُ وَجْهِي إِلَيَّ فَأُحَسِّنَهُ،وَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْعَبْدُ عَيْبًا فِي نَفْسِهِ فَلْيَشْكُرِ اللَّهَ تَعَالَى وَلاَ يُلَوِّثَنَّ نَفْسَهُ بِأَعْظَمِ الْعُيُوبِ،فَإِنَّ ثَلْبَ النَّاسِ وَأَكْل لَحْمِ الْمَيْتَةِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ،بَل لَوْ أَنْصَفَ لَعَلِمَ أَنَّ ظَنَّهُ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ كُل عَيْبٍ جَهْلٌ بِنَفْسِهِ . وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْعُيُوبِ .

وَيَنْفَعُهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ تَأَلُّمَ غَيْرِهِ بِغِيبَتِهِ كَتَأَلُّمِهِ بِغِيبَةِ غَيْرِهِ لَهُ،فَإِذَا كَانَ لاَ يَرْضَى لِنَفْسِهِ أَنْ يُغْتَابَ،فَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَرْضَى لِغَيْرِهِ مَا لاَ يَرْضَاهُ لِنَفْسِهِ .

وَأَمَّا عِلاَجُهُ عَلَى التَّفْصِيل:فَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى السَّبَبِ الْبَاعِثِ لَهُ عَلَى الْغِيبَةِ فَيَقْطَعُهُ،فَإِنَّ عِلاَجَ كُل عِلَّةٍ إِنَّمَا يَكُونُ بِقَطْعِ سَبَبِهَا . [1]

كَفَّارَةُ الْغِيبَةِ:

ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّ كُل مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً لَزِمَهُ الْمُبَادَرَةُ إِلَى التَّوْبَةِ مِنْهَا،وَالتَّوْبَةُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى يُشْتَرَطُ فِيهَا ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ:أَنْ يُقْلِعَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فِي الْحَال . وَإِنْ يَنْدَمَ عَلَى فِعْلِهَا،وَأَنْ يَعْزِمَ أَنْ لاَ يَعُودَ إِلَيْهَا،وَالتَّوْبَةُ مِنْ حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ يُشْتَرَطُ فِيهَا هَذِهِ الثَّلاَثَةُ ،وَرَابِعٌ:وَهُوَ رَدُّ الظُّلاَمَةِ إِلَى صَاحِبِهَا،أَوْ طَلَبُ عَفْوِهِ عَنْهَا وَالإِْبْرَاءُ مِنْهَا،فَيَجِبُ عَلَى الْمُغْتَابِ التَّوْبَةُ بِهَذِهِ الأُْمُورِ الأَْرْبَعَةِ،لأَِنَّ الْغِيبَةَ حَقُّ آدَمِيِّ،وَلاَ بُدَّ مِنَ اسْتِحْلاَلِهِ مَنِ اغْتَابَهُ .

وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَجْهَيْنِ فِي كَوْنِهِ هَل يَكْفِيهِ أَنْ يَقُول:قَدِ اغْتَبْتُك فَاجْعَلْنِي فِي حِلٍّ،أَوْ لاَ بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ مَا اغْتَابَ بِهِ ؟

أَحَدُهُمَا:يُشْتَرَطُ بَيَانُهُ فَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ غَيْرِ بَيَانِهِ لَمْ يَصِحَّ،كَمَا لَوْ أَبْرَأهُ عَنْ مَالٍ مَجْهُولٍ .

وَالثَّانِي:لاَ يُشْتَرَطُ لأَِنَّ هَذَا مِمَّا يُتَسَامَحُ فِيهِ،فَلاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِخِلاَفِ الْمَال . وَالأَْوَّل أَظْهَرُ،لأَِنَّ الإِْنْسَانَ قَدْ يَسْمَحُ بِالْعَفْوِ عَنْ غِيبَةٍ دُونَ غِيبَةٍ،فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْغِيبَةِ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا فَقَدْ تَعَذَّرَ تَحْصِيل الْبَرَاءَةِ مِنْهَا،لَكِنْ قَال الْعُلَمَاءُ:يَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ الاِسْتِغْفَارَ لَهُ وَالدُّعَاءَ وَيُكْثِرَ مِنَ الْحَسَنَاتِ،وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ فِي الاِقْتِصَارِ عَلَى الاِسْتِغْفَارِ دُونَ الاِسْتِحْلاَل .

(1) - إحياء علوم الدين 3 / 145 - 147 ، ومختصر منهاج القاصدين 171 - 172 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت