عَلَى عَائِشَةَ فَاعْتَنَقَهَا وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِي،وَطَفِقَ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِ عَائِشَةَ،وَيَقُولاَنِ لَهَا:إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ نَهَى عَمَّا عَمِلْتِيهِ،وَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ،فَلَمَّا أَكْثَرَا عَلَى عَائِشَةَ التَّذْكِرَةَ،طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمْ وَتَبْكِي،وَتَقُولُ:إِنِّي نَذَرْتُ وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ،فَلَمْ يَزَالاَ بِهَا حَتَّى كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبَيْرِ،ثُمَّ أَعْتَقَتْ عَنْ نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً،ثُمَّ كَانَتْ بَعْدَمَا أَعْتَقَتْ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً تَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا." [1] "
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ هَجْرُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا،حَيْثُ وَرَدَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَْنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .. فَهَذَا الْحَدِيثُ نَصَّ فِي مَنْعِ مَا زَادَ عَلَى الثَّلاَثِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ [2] ،وَقَدْ عَدَّ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ هَجْرَ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ مِنَ الْكَبَائِرِ،لِمَا فِيهِ مِنَ التَّقَاطُعِ وَالإِْيذَاءِ وَالْفَسَادِ،وَثُبُوتِ الْوَعِيدِ عَلَيْهِ فِي الآْخِرَةِ [3] ،لِحَدِيثِ فَضَالَةَ بن عُبَيْدٍ،أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،قَالَ:"مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ فَهُوَ فِي النَّارِ،إِلا أَنْ يَتَدَارَكَهُ اللَّهُ بِكَرَمِته" [4]
أَمَّا هِجْرَةُ الْمُسْلِمِ لأَِخِيهِ مُدَّةَ ثَلاَثٍ،فَجَمَاهِيرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى إِبَاحَتِهَا اعْتِبَارًا لِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ،دَلِيل الْخِطَابِ فِي الْحَدِيثِ.قَالُوا:وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهَا فِي الثَّلاَثِ؛لأَِنَّ الآْدَمِيَّ مَجْبُولٌ عَلَى الْغَضَبِ وَنَحْوِهِ،فَعُفِيَ عَنِ الْهِجْرَةِ فِي الثَّلاَثَةِ لِيَذْهَبَ ذَلِكَ الْعَارِضُ . [5]
قَال الْخَطَّابِيُّ:فَرَخَّصَ لَهُ فِي مُدَّةِ ثَلاَثٍ لِقِلَّتِهَا،وَجُعِل مَا وَرَاءَهَا تَحْتَ الْحَظْرِ . [6]
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (6073 و 6074 و 6075 ) وصحيح ابن حبان - (12 / 478) (5662)
(2) - مِرْقَاة الْمَفَاتِيح لِلْمَلاَ عَلِي الْقَارِّيّ 4 / 716 ، وَالْجَامِع مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ لاِبْن رُشْد ( ص 267 ط دَارَ الْفَرْقَانِ ) ، وَالنَّوَوِيّ عَلَى مُسْلِمِ 16 / 117 ، وَعُمْدَة الْقَارِّيّ 18 / 179 ، وَفَتْح الْبَارِي 10 / 495 ، وَالْمُنْتَقَى لِلْبَاجِي 7 / 215 ، وَكِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ لِرِسَالَةِ ابْن أَبِي زَيْد الْقَيْرَوَانِيّ 2 / 394 .
(3) - الزَّوَاجِر عَنِ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ 2 / 42 ، 44 ، وَالآْدَاب الشَّرْعِيَّة لاِبْن مُفْلِح 1 / 242 .
(4) - المعجم الكبير للطبراني - (13 / 252) (15210 ) صحيح
(5) - النَّوَوِيّ عَلَى مُسْلِمِ 16 / 117 ، وَانْظُرْ عُمْدَة الْقَارِّيّ 18 / 184 ، وَالْمُنْتَقَى لِلْبَاجِي 7 / 215 ، وَالأُْبِّيّ عَلَى مُسْلِم 7 / 16 ، وَكِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ لِرِسَالَةِ ابْن أَبِي زَيْد الْقَيْرَوَانِيّ وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ 2 / 395 .
(6) - مَعَالِم السُّنَنِ ( 7 / 231 - بِهَامِشٍ مُخْتَصِرٍ سُنَن أَبِي دَاوُد لِلْمُنْذِرِي .