الصفحة 101 من 306

إننا مما سبق تبين لنا أن نواة علم الفقه كانت في الكوفة، وفيها نمى وترعرع، ويكفيها أن منها واضع علم الفقه ـ إن صحّ التعبير ـ وهو الإمام أبو حنيفة، بمعنى مرصفه ومقعده ومؤصله والمفرّع عليه، فعن محمد بن واسع - رضي الله عنه - قال: (( إن الفقه صناعة لشابّ بالكوفة يكنى أبا حنيفة - رضي الله عنه - ) ) (1) .

وأن كبار حفاظ هذه الأمة ومحدثيها من الكوفة كالشعبي والأعمش والنخعي وغيرهم - رضي الله عنه -، وما سبق من التفصيل يغنينا عن الكلام هنا.

ولم يقتصر علمها على الفقه والحديث، بل مشاهير القراء منها، فالأئمة الثلاثة من السبعة: كوفيون: وهم: عاصم، وحمزة، والكسائي، وزد خلفًا العاشر من بين العشرة، فهذا يبين أن علم القراءة كان مقرّه الكوفة أيضًا، ومن التراجم السابقة يتبين ذلك.

بل شمل علمهم اللغة العربية فها هو الكسائي، الإمام اللغوي المشهور من أئمة الكوفة، ومن تلامذته الفراء وبعده أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب وبعده القاسم بن محمد الأنباري (2) .

فعلماء الكوفة كانوا بعيدين عن (( اللحن الذي اكتظت به بلاد الحجاز، والشام، ومصر في ذلك العهد، وقد توسع المبرد في (( اللحَنة ) )في أنباء اللاحنين من أهل الأمصار )) ، سوى بلاد العراق.

وقد نقل مسعود بن شيبة جملة من ذلك في (( التعليم ) )، على أن مصر كانت تعاشر القبط، والشام يساكن الروم، وكان الحجاز يطرقه كل طارق من الأعاجم، ولا سيما بعد عهد كبار التابعين، مع عدم وجود أئمة بها للغة، يحفظونها من الدخيل، واللحون.

(1) ينظر: أخبار أبي حنيفة ص12، وغيره.

(2) ينظر: أبجد العلوم 3: 49، وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت