الصفحة 100 من 306

وبالغ بعضهم في التشنيع عليه وإني والله لا أرى إلا عصمته مما قالوه، وتنزيهه عما إليه نسبوه، وجملة القول فيه: إنه قطعًا، لم يخالف السنة عنادًا، وإنما خالف فيما خالف منها اجتهادًا، بحجج واضحة، ودلائل صالحة لائحة، وحججه بين أيدي الناس موجودة، وقلَّ أن ينتصف منها مخالفوه، وله بتقدير الخطأ أجر، وبتقدير الإصابة أجران، والطاعنون عليه إما حساد، أو جاهلون بمواقع الاجتهاد، وآخر ما صح عن الإمام أحمد - رضي الله عنه - إحسان القول فيه، والثناء عليه، ذكره أبو الورد من أصحابنا في كتاب (( أصول الدين ) ). )) .

وقال الشهاب ابن حجر المكي الشافعي (1) : (( يتعين عليك أن لا تفهم من أقوال العلماء ـ أي المتأخرين من أهل مذهبه ـ عن أبي حنيفة، وأصحابه أنهم أصحاب الرأي، أنَّ مرادهم بذلك تنقيصهم، ولا نسبتهم إلى أنهم يقدمون رأيهم على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا على قول أصحابه؛ لأنهم برآء من ذلك ) ).

ثم بسط ما كان عليه أبو حنيفة، وأصحابه في الفقه، من الأخذ بكتاب الله، ثم بسنَّة رسوله، ثم بأقوال الصحابة، ردًا على من توهم خلاف ذلك.

ولا أنكر أن هناك أناسًا من الرواة الصالحين، يخصون أبا حنيفة، وأصحابه بالوقيعة من بين الفقهاء، وذلك حيث لا ينتبهون إلى العلل القادحة في الأخبار، التي تركها أبو حنيفة، وأصحابه، فيظنون بهم أنهم تركوا الحديث إلى الرأي، وكثيرًا ما يعلو على مداركهم وجه استنباط هؤلاء، الحكم من الدليل؛ لدقة مداركهم، وجمود قرائح النقَلة، فيطعنون في الفقهاء أنهم تركوا الحديث إلى الرأي، فهذا النبز منهم لا يؤذي سوى أنفسهم )) (2) .

الكوفة مهد علوم الإسلام:

(1) في الخيرات الحسان ص3.

(2) ينظر: مقدمة نصب الراية ص286-288، والمدخل إلى دراسة الفقه ص84-85، وغيرهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت