وأيضًا، فإن التابعين من محدثي الكوفة وفقهائها لم يكونوا يتلقون الحديث عن الصحابة - رضي الله عنهم - الموجودين في الكوفة فحسب، بل تلقوا الحديث من الصحابة - رضي الله عنهم - في الحجاز، ورحلوا طلبًا لذلك، فقد روى ابن سعد في (( طبقاته ) )أسماء مئتين واثنين من التابعين الكوفيين، الذي رووا عن كبار الصحابة - رضي الله عنهم - في مكة والمدينة (1) .
وفيما سبق من كلام تفنيد لشبهة أخرى، وهي قلّة الرواية والحديث في عصر التابعين وأتباعهم واشتهار الرواية وكثرتها في عصر الإمام الشافعي والإمام أحمد - رضي الله عنهم -.
إن تخصيص الحنفية بأهل الرأي لا يصح إلا بمعنى البراعة البالغة في الاستنباط، فالفقه حيثما كان يصحبه الرأي، سواء كان في المدينة أو في العراق، وطوائف الفقهاء كلهم إنما يختلفون في شروط الاجتهاد، بما لاح لهم من الدليل، وهم متفقون في الأخذ بالكتاب، والسنة، والإِجماع، والقياس، ولا يقتصرون على واحد منها.
قال سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي في شرح (( مختصر الروضة ) )في أصول الحنابلة: (( واعلم أن أصحاب الرأي بحسب الإضافة، هم كل من تصرف في الأحكام بالرأي، فيتناول جميع علماء الإسلام، لأن كل واحد من المجتهدين لا يستغني في اجتهاده عن نظر ورأي، ولو بتحقيق المناط، وتنقيحه الذي لا نزاع في صحته.
وأما بحسب العلمية فهو في عرف السلف (( من الرواة بعد محنة خلق القرآن ) )، علم على أهل العراق، وهم أهل الكوفة، أبو حنيفة - رضي الله عنه -، ومَن تابعه منهم…
(1) ينظر: الحركة الفقهية في بلاد الشام ص284 عن الطبقات الكبرى 6: 78.