الأمر الثاني: إنه كان لا يرى الرواية إلا لما يحفظ، روى الطحاوي - رضي الله عنه - عن أبي يوسف - رضي الله عنه - ، قال: قال أبو حنيفة - رضي الله عنه: لا ينبغي للرجل أن يحدث من الحديث إلا بما حفظه من يوم سمعه إلى يوم يحدّث به، وروى الخطيب عن إسرائيل بن يونس - رضي الله عنه - قال: (( نعم الرجل نعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه فقه، وأشد فحصه عنه، وأعلمه بما فيه من الفقه... ) ). )) (1) .
وقال شمس الأئمة السرخسي - رضي الله عنه - (2) : (( كان الإمام أبو حنيفة أعلم أهل عصره بالحديث، ولكن لمراعاة كمال الضبط قلت روايته ) ).
وكان يرى رحمه الله تعالى رواية الحديث بالمعنى كما عليه جماهير علماء المسلمين كالبخاري وغيره، قال العلامة سبط ابن الجوزي - رضي الله عنه - (3) : (( وإنما كان يرى رواية الحديث بالمعنى فظنوا أن ذلك إساءة في الحفظ ) ). قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (4) : (( وكان الغالب على الفقهاء في مجالس التفقيه الإرسال والرواية بالمعنى، وهم أمناء على الاحتفاظ بالمعنى بخلاف النقلة من غيرهم ) ).
(1) قال الشيخ أبو غدة - رضي الله عنه - في هامش الانتقاء ص206: وقد استوعب تجلية هذا الموضوع واستيفاء بيانه القاضي تقي الدين التميمي في الطبقات السنية 1: 134-138 بما يتعيّن على الباحث الفاحص مراجعته والوقوف عليه.
(2) في أصول الفقه 1: 350.
(3) في الانتصار والترجيح ص11.
(4) في هامش الانتصار ص11.