وقال العلامة المحدث محمد عبد الرشيد النعماني بعدما أورد العديد من النقول (1) : (( فهؤلاء الأئمة الأجلة الأعلام، جهابذة النقد: أبو داود، والترمذي، والحاكم، والبيهقي، وابن عبد البر، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، قد أذعنوا أن الإمام أبا حنيفة من أئمة الحديث المعروفين الذي يرجع إلى أقوالهم في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل كسائر الحفاظ النقاد من أئمة المحدثين ) ).
وقال أيضًا (2) : (( وعلى كلِّ حال فإمامنا الأعظم أبو حنيفة النعمان من كبار أئمة الجرح والتعديل في عصره،ممن إذا قال قبل قوله، وإذا جرَّح أو عدَّل سمع منه، وكان متثبتًا لا يكاد يروي إلا عن ثقة، كشعبة ومالك، وهو أول من انتقى الرجال من الأئمة، وأعرض عمن ليس بثقة، ولم يكن يروي إلا ما صح، ولا يحدِّث إلا ما يحفظ، وتبعه مالك ) ).
وقال الحافظ الصالحي الشافعي (3) : (( إن الإمام أبا حنيفة من كبار حفاظ الحديث، وقد تقدم أنه أخذ عن أربعة آلاف شيخ من التابعين وغيرهم، وذكره الحافظ الناقد أبو عبد الله الذهبي في كتابه (( الممتع ) )و (( طبقات الحفاظ من المحدثين ) )منهم، ولقد أصاب وأجاد.
ولولا كثرة اعتنائه بالحديث، ما تهيّأ له استنباط مسائل الفقه، فإنه أول من استنبطه من الأدلة، وعدم ظهور حديثه في الخارج، لا يدل على عدم اعتنائه بالحديث، كما زعمه بعض من يحسده، وليس كما زعم، وإنما قلت الرواية عنه وإن كان متسع الحفظ لأمرين:
أحدهما: اشتغاله عن الرواية باستنباط المسائل من الأدلة، كما كان أجلاء الصحابة كأبي بكر وعمر وغيرهما يشتغلون بالعمل عن الرواية، حتى قلّت روايتهم بالنسبة إلى كثرة اطلاعهم، وكثرة رواية من دونهم بالنسبة إليهم، وكذا الإمام مالك والإمام الشافعي لم يرويا إلا القليل بالنسبة إلى ما سمعاه، كل ذلك لاشتغالهما باستخراج المسائل من الأدلة...
(1) في مكانة أبي حنيفة في الحديث ص31-32.
(2) في مكانة أبي حنيفة في الحديث ص80.
(3) في عقود الجمان ص63.