وقال ملك العلماء عبد العلي (1) السِّهالوي - رضي الله عنه - (2) : (( لا بُدَّ للمزكِّي أن يكون عدلًا عارفًا بأسباب الجرح والتعديل، وأن يكون منصفًا ناصحًا، لا أن يكون متعصِّبًا ومعجبًا بنفسه؛ فإنّه لا اعتداد بقول المتعصِّب، كما قدح الدَّارَقُطْنِيّ في الإمام الهُمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - بأنه ضعيفٌ في الحديث. وأي شناعة فوق هذا؟! فإنه إمام ورع تقي نقي خائف من الله، وله كرامات شهيرة، فبأي شيء تطرق إليه الضعف؟!
فتارةً يقولون: إنه كان مشتغلًا بالفقه. انظر بالإنصاف أي قبح فيما قالوا؟! بل الفقيه أولى بأن يأخذ الحديث منه.
وتارةً يقولون: إنه لم يلاق أئمة الحديث إنما أخذ ما أخذ من حمَّاد. وهذا أيضًا باطل، فإنّه روى عن كثير من الأئمة كالإمام محمد الباقر والأعمش (3) وغيرهما، مع أن حمَّادًا كان وعاء للعلم، فالأخذ منه أغناه عن الأخذ عن غيره، وهذا أيضًا آيةٌ على ورعه وكمال تقواه وعلمه، فإنّه لم يكثر الأساتذة؛ لئلا تتكثر الحقوق، فيخاف عجزه عن إيفائها.
(1) لعبد العلي بن نظام الدين بن قطب الدين الأنصاريّ السِّهالوي اللَّكْنَوِيّ، بحر العلوم، ملك العلماء، كان معدوم النظير في زمانه، رأسًا في الفقه والأصول، إمامًا جوالًا في المنطق والحكمة والكلام، من مؤلفاته: رسائل الأركان، وتنوير المنار شرح منار الأصول، وشرح سلم العلوم مع المنهايات، (ت1225هـ) . ينظر: نزهة الخواطر 7: 289-294. معجم المؤلفين 3: 669. أصول الفقه تاريخه ورجاله 519.
(2) في فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 2: 154.
(3) وهو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي الكوفي الأعمش، أبو محمد، قال ابن عيينة: كان أقرأهم لكتاب الله وأعلمهم بالفرائض وأحفظهم للحديث، (61-148هـ) . ينظر: العبر 1: 209. التقريب 195.