الصفحة 208 من 306

إنَّ المسائلَ الفرعيَّةَ في المعاملاتِ والعباداتِ الشَّرعيَّةِ الَّتي نقلتْ عن أبي حنيفةَ تزيدُ على آلافٍ بلا شبهةٍ، كما لا يخفى على مَن تيسَّرَ له نظرَ كتبِ تلامذتِه: كـ (( الصِّحاحِ الستّة ) )وهي: (( الجامع الصَّغير ) (( الجامع الكبير ) (( السِّير الصَّغير ) (( السِّير الكبير ) (( الزيادات ) (( المبسوطِ ) )، وهي المُسَمَّاةُ بظاهرِ الرِّواية. وكتاب (( الحجَج ) )وكتاب (( الآثار ) (( الموطَّأ ) )كلُّها لمحمَّدٍ الشَّيبانيِّ، وكتصانيف أبي يوسفَ، وحسنَ بن زيادٍ اللؤلؤي وغيرهم.

ومن المعلومِ أنَّ كلَّها ليستْ بمنصوصةٍ في القرآن، ولا ثبتت بإجماعِ أربابِ الشَّأن، وأكثرها ممَّا لا مدخلَ فيه لاجتهادِ المجتهدين، فلا بدَّ أن تبلغَهُ الأحاديثُ الكثيرةُ، والآثارُ الغفيرةُ ليصحَّ منه نظمُ مسائلِ الدِّين، فلو لم تكنْ تبلغُهُ من الأحاديثِ إلا جملة قليلة لمَا صحَّ إفتاؤهُ بهذه الفتاوى الجليلة (1) .

إنَّ المجتهدينَ والمحدِّثينَ وسائرَ العلماءِ المعتمَدينَ اتَّفقتْ كلماتُهُم على أنَّ أبا حنيفةَ كان من المجتهدين، وأطبقتْ عباراتُهُم على أنَّهُ معدودٌ في المنتقدين؛ ولذلك ترى العلماءَ يذكرونَ قولَهُ في معرضِ أقوالِهِم، ويدرجونَ حالَهُ في أثناءِ أحوالِهِم، ويهتمُّونَ بآثارِهِ رفعًا وقدحًا، ويعتنونَ بشأنِهِ دفعًا وجرحًا، فمع ذلك، القولُ بأنَّهُ لم تبلغْهُ إلا سبعةَ عشرَ لا يتفوَّهُ به إلا مَن بدماغِهِ الضَّرر؛ فإنَّ مَن لا يبلغُهُ إلا هذا المقدار لا يكونُ له اعتبار، ولا يعدُّ من زمرةِ أربابِ الاجتهاد، ولا يلتفتُ إلى قولِهِ عند ذكرِ أقوالِ أربابِ الاعتماد.

(1) ينظر: مقدمة العمدة 1: 36، وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت