الصفحة 209 من 306

قال الإمامُ الشافعيّ: (( إنَّ الناسَ في الفقه عيال على أبي حنيفة ) ). ولم يذكره أحدٌ من المؤرّخين والمحدّثين إلا وصفه بفقيه أهل العراق، ومن المعلوم أنّ هذه الصفة لا توجدُ بدونِ قوّة الاجتهاد، فإنّه يشترطُ في حصول الفقه ملكة الاستنباط والاجتهاد كما هو مصرّح في كتب أصول الفقه؛ ولذلك صرّحوا أنّ المقلِّدَ الذي ليس له ملكةُ الاستنباطِ ليس بفقيه، بل هو حاكٍ وناقل، فلو لم يكن تبلغُهُ إلا سبعةَ عشرَ حديثًا كيف يصحّ حكمهم ذلك، وكيفّ يصحُّ حكمُ الشافعيّ فيما هنالك )) (1) .

إنه قد ذكرَهُ الإمام الذَّهبيِّ، وهو من أهلِ النَّقدِ التَّامِّ باتِّفاقِ الأعلامِ، في كتابه: (( تذكرةِ الحفَّاظِ ) ) (2) وعدَّهُ من الحفَّاظِ، وهكذا فعلَهُ غيرُهُ ممَّن رزقَ التَّبحُّرَ الشَّرعيَّ، ولا يكونُ حافظَ الحديثِ قطُّ مَن لم تبلغْهُ إلا سبعةَ عشرَ فقط (3) .

إنَّهُ ذكرَ جمعٌ من المعتبرينَ أنَّ شيوخَ أبي حنيفةَ في الحديثِ تبلغُ إلى أربعةِ آلافٍ، وعدَّ منهم المزِّيُّ في (( تهذيبِ الكمالِ ) )وغيرهِ، نحوَ سبعينَ شيخًا بلا خلافٍ، فلو فرضَ أنَّه لم يروِ عن كلِّ شيخٍ منهم إلا الحديثَ الواحدَ لبلغَ العددُ إلى سبعينَ، أو أربعةِ آلافٍ، وإن زادَ فمع عددٍ زائد.

إنه لو لم تبلغْهُ إلا سبعةَ عشرَ لكانَ مهجورًا عندَ الأصغرِ والأكثرِ، ولما حصلتْ لهُ الشُّهرةُ كشهرةِ الأئمَّة (4) .

(1) ينظر: المصدر السابق 1: 36، وغيرها..

(2) تذكرة الحفاظ 1: 168.

(3) ينظر: مقدمة العمدة 1: 36، وغيرها.

(4) ينظر: ما سبق على هذه الفرية تذكرة الراشد 223-228، فإن ما هو مكتوب هنا مأخوذ منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت