الصفحة 217 من 306

ومن العجيب أن بعض من يَعدُّونه من أمراء المؤمنين في الحديث يتبجح قائلًا إني لم أخرج في كتابي عمَّن لا يرى أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص مع أنه أخرج عن غُلاة الخوارج ونحوهم في كتابه، وهو يدري أن الحديث القائل بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص غير ثابت عند النقاد. ولولا مذهب أبي حنيفة وأصحابه في هذه المسالة للزم إكفار جماهير المسلمين غير المعصومين؛ لإخلالهم بعمل من الأعمال في وقت من الأوقات، وفي ذلك الطامة الكبرى )) .

وحاصل أسباب الطعن في الإمام أبي حنيفة لخصها الحافظ ابن عبد البر في هذا الكلمة الجامعة، فقال (1) : (( كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة:

لرده كثيرًا من أخبار الآحاد العدول؛ لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذَّ عن ذلك ردّه وسماه شاذًا.

وكان مع ذلك أيضًا يقول: الطاعات من الصلاة وغيرها لا تسمى إيمانًا، وكل من قال من أهل السنة: الإيمان قول وعمل ينكرون قوله، ويبدعونه بذلك.

وكان مع ذلك محسودًا لفهمه وفطنته )) .

وقد علم مما سبق الإجابة على ذلك، وأن مثل هذا يمدح المرء عليه لا يذم، فسبحان الله العظيم على منِّه الكريم في حفظ شرعه العظيم، وفصل الإمام الصيمري (2) - رضي الله عنه - بذكر أقول العلماء في حسده - رضي الله عنه - على ما رزقه الله تعالى من العلم والفهم والفقه، من أقوال العلماء ومنها:

قال عبد الله بن داود - رضي الله عنه: (( لا يتكلم في أبي حنيفة - رضي الله عنه - إلا أحد رجلين، إنما حاسد لعلمه، وإما جاهل بالعلم لا يعرف قدر حملته ) ).

وقال سفيان - رضي الله عنه: (( أبو حنيفة في العلم محسود ) ).

وقال مسعر - رضي الله عنه: (( ما أحسد بالكوفة إلا رجلين: أبا حنيفة لفقهه، والحسن بن زياد لزهده ) ).

(1) في الانتقاء ص276-277.

(2) في أخبار أبي حنيفة ص54-56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت