الصفحة 216 من 306

ولو كان الاشتراك مع المرجئة بوجهٍ من الوجوه التعبيريّة كافيًا لنسبة الإرجاء إلينا، لزمَ نسبة الاعتزال إلى المحدِّثين، فإن المعتزلة قائلون بجزئية الأعمال أيضًا كالمحدثين، ولكن حاشاهم من الاعتزال، وعفا الله عمَّن تعصَّب ونَسَب إلينا الإرجاء، فإن الدين كلَّه نصح، لا مُراماةٌ ومنابذةٌ بالألقاب! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم )) .

وللإمام الكوثري تحقيق وتنقيح للمسألة كعادته أختم الكلام في الإرجاء به؛ إذا قال (1) : (( كان في زمن أبي حنيفة وبعده أناس صالحون يعتقدون أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ويرمون بالإرجاء مَن يرى أن الإيمان هو العقد والكلمة مع أنه الحقّ الصراح بالنظر إلى حجج الشرع، قال - جل جلاله: { وَلَمَّا يَدْخُل الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكم } ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم:(الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه) (2) ، وعليه جمهور أهل السنة.

وهؤلاء الصالحون باعتقادهم ذلك الاعتقاد أصبحوا على موافقة المعتزلة أو الخوارج حتمًا إن كانوا يعُدُّون خلاف اعتقادهم هذا بدعة وضلالة؛ لأن الإخلال بعمل من الأعمال، وهو ركن الإيمان، يكون إخلالًا بالإيمان، فيكون من أخلَّ بعمل خارجًا من الإيمان إما داخلًا في الكفر كما يقوله الخوارج، وإما غير داخل فيه بل في منْزلة بين المنْزلتين الكفر والإيمان كما هو مذهب المعتزلة.

وهم من أشد الناس تبرؤًا من هذين الفريقين، فإذا تبرَّؤوا أيضًا مما كان عليه أبو حنيفة وأصحابه وباقي أئمة هذا الشأن يبقى كلامهم متهافتًا غير مفهوم، وأما إذا عدُّوا العمل من كمال الإيمان فقط فلا يبقى وجه للتنابز والتنابذ، لكن تشددهم هذا التشدد يدلُّ على أنهم لا يعدُّون العمل من كمال الإيمان فحسب، بل يعدُّونه ركنًا منه أصليًا، ونتيجة ذلك ما ترى.

(1) في تأنيب الخطيب 75-76.

(2) في صحيح مسلم 1: 37، وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت