الصفحة 215 من 306

وهذا النِّزاع وإن كان لفظيًا كما حقَّقَه المحققون من الأولين والآخرين، لكنَّه لَمَّا طالَ وآلَ الأمرُ إلى بسط كلام الفريقين من المتقدّمين والمتأخّرين، أدّى ذلك إلى أن أطلقوا الأرجاء على مخالفيهم وشنَّعوا بذلك عليهم، وهو ليس بطعن في الحقيقة على ما لا يخفى على مهرة الشريعة )) .

وبيان ما أجمله الإمام اللكنوي في زيادة الأعمال للإيمان فيما ذكره الإمام الكشميري إذ قال (1) : (( مذهب أهل السنة والجماعة أن الأعمال أيضًا لا بُدَّ منها، لكن تاركها مفسّق لا مكفّر، فلم يشدِّدوا فيها كالخوارج والمعتزلة، ولم يُهوِّنوا أمرَها كالمرجئة.

ثم هؤلاء افترقوا فرقتين، فأكثر المحدِّثين إلى أن الإيمان مركب من الأعمال، وإمامنا الأعظم - رضي الله عنه - وأكثر الفقهاء والمتكلِّمين إلى أنَّ الأعمال غير داخلة في الإيمان مع اتفاقهم جميعًا على أن فاقد التصديق كافر، وفاقد العمل فاسق، فلم يبق الخلاف إلا في التعبير، فإن السلف وإن جعلوا الأعمال أجزاءً، لكن لا بحيث ينعدم الكل بانعدامها، بل يبقى الإيمان مع انتفائها.

وإمامنا - رضي الله عنه - وإن لم يجعل الأعمال جزءًا، لكنه اهتمَّ بها، وحرَّض عليها، وجعلَها أسبابً ساريةً في نماء الإيمان، فلم يهدرها هَدْرَ المرجئة، إلا أنّ تعبير المحدِّثين القائلين بجزئية الأعمال لمَّا كان أبعدَ من المرجئة المنكرين جزئية الأعمال، بخلاف تعبير إمامنا الأعظم - رضي الله عنه - فإنه كان أقرب إليهم من حيث نفي جزئية الأعمال: رمي الحنفيةُ بالإرجاء، وهذا كما ترى جَوْر علينا، فالله المستعان.

(1) في فيض الباري شرح صحيح البخاري 1: 53-54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت