الصفحة 226 من 306

وقال الإمام الخطابي - رضي الله عنه: (( رأيت أهل العلم في زماننا، قد حصروا في حزبين، وانقسموا إلى فرقتين: أَصحاب حديث وأثر، وأهل فقهِ ونَظَر، وكلُّ واحدةٍ منها لا تتميز عن أختها في الحاجةِ، ولا تستغني عنها في دركِ ما تنحوه من البغية والإرادة؛ لأنَّ الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بِمَنْزلة البناء الذي هو له الفرع، وكلُّ بِناءٍ لم يوضع على قاعدة وأساس، فهو منهار ، وكلُّ أساسٍ خلا عن بناء وعمارة ، فهو قفى وخراب… ) ) (1) .

وقال الإمام بشر - رضي الله عنه: (( كنا نكون عند ابن عيينة - رضي الله عنه -، فإذا وردت علينا مسألة مشكلة يقول: هاهنا أحد من أصحاب أبي حنيفة - رضي الله عنه -؟ فيقال: بشر، فيقول: أجب فيها، فأجيب، فيقول: التسليم للفقهاء سلامة في الدين ) ) (2) .

إذا استبان لك ما سبق علمت أن لا مكان لكلمات بعض أهل الحديث على إمام الأئمة في الواقع، وإنما هي تسلية لهؤلاء الرواة فيما بينهم على مرّ الدهور ممن يريدون أن يجعلوا للأمة فقهًا بلا أصول ولا قواعد، وإنما مستندهم فيه ظواهر أحاديث بلا جمع بين متعارضها، بعد أن رفضت هذه الأمة المباركة مثل هذه الترهات من الفقه، وتمسكت بفقه المذاهب المعتد بها، وعلى رأسها فقه الإمام الأعظم.

فعلى المنصف إحسان الظنِّ بمن صدرت عنه مثل هذه الطعونات، وأنها من غيرتهم على دينهم على حسب ما بدا لهم من الرأي وإن كان مخالفًا للصواب، ويجب تأويلها على باب مما سبق من التعصب والدس والتدافع وغيرها، والاعتراف بأنها من أسباب ارتفاع الهمم في طلب العلم ونشره والحفاظ عليه حتى أنهم دوَّنوا لنا الدواوين من كتب الحديث، وبيَّنوا أحوال الرجال، ونقدوا الأسانيد والمتون، جهدٌ عظيم يشكرون عليه، وعلم غزير يؤخذ منهم، لا ما سبق من الطعون، والله أعلم.

(1) ينظر: الإنصاف في أسباب الاختلاف ص64، وغيره.

(2) ينظر: الجواهر المضية 1: 453، وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت