الصفحة 257 من 306

قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (1) : (( إن تاريخ الفقه يشهد بأن الكتب المؤلفة في مذاهب الأئمة المتبوعين من (( المدونة ) (( الحجة ) )، و (( الأم ) )، وما بعدها إنما ألف على ضوء كتب ذلك الإمام العظيم أبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني - رضي الله عنه -، ولم تزل كتبه بأيدي الفقهاء من كل مذهب قبل حلول قرون التقليد البحت يتداولونها ويستفيدون منها تقديرًا منهم لما امتازت به، على من سبقها من رصانة في التعبير، ووضوح في البيان، وإحكام في التأصيل، ودقة في التفريع مع التدليل على مسائل ربما تعزب أدلتها عن علم كثير من الفقهاء من أهل طبقته فضلًا عمن بعدهم، على توسعها في توليد المسائل في الأبواب بحيث ينبئ عن تغلغل مؤلفها في أسرار العربية ويده البيضاء في اكتشاف أسرار التشريع.

من غير أن تظهر على كلامه شهوة الانفراد والشذوذ عن الفقهاء عندما يناقشهم في آرائهم، ولا التحيل والتشغيب في سبيل الدعوة إلى آراء استبانت له بخلاف ما ابتلي به كثير ممن ينتمي إلى الفقه، بل ينوه بفضل شيوخه عليه ويسجل أقوالهم في مؤلفاته عرفانًا منه لجميلهم ولم يغره اتساع علمه بل زاده إخلاصًا إلى إخلاص فكافأه الله سبحانه على ذلك بأن بارك في علمه حتى أصبحت كتبه لحمة الكتب المدونة في جميع المذاهب بدون مغالاة، وأدام الانتفاع بكتبه مدى القرون.

وأنت ترى أنه لم يصل إلينا من أي فقيه في طبقته أو في طبقة تقارب طبقته، كتب في الفقه قدر ما وصل إلينا من مؤلفاته، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء )) .

(1) ينظر: بلوغ الأماني ص3-4، وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت