الصفحة 261 من 306

هذه وصية الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - لتلميذه يوسف بن خالد السَّمتي البصري، وصّاه بها حين استأذنه الخروج إلى وطنه البصرة، فقال: لا، حتى أتقدّم إليك بالوصية فيما تحتاج إليه في معاشرة الناس، ومراتب أهل العلم، وتأديب النفس، وسياسة الرعيّة، ورياضة الخاصة والعامة، وتفقد أمر العامّة... حتى إذا خرجت بعلمك كان معك آلةٌ تصلحُ لك وتَزِيْنْك ولا تَشِينُك.

واعلم أنك متى أسأت عشرة الناس صاروا لك أعداءً؛ ولو كانوا أمَّهاتٍ وآباءً، ومتى أحسنت عِشرةَ الناس من أقوام ليس لك أقرباءَ صاروا لك أقرباء. ثم قال لي: اصبر يومًا حتى أفرِّغ لك، وأجمَعَ لك هِمَّتِي، وأعرِّفك من الأمر ما تحمدُني، وتجعل نفسك عليه، ولا توفيق إلا بالله.

فلما مضى الميعاد، قال:

بسم الله الرحمن الرحيم

أنا أكشف لك عما عزمتَ عليه..

كأني بكَ وقد دخلت بصرة؛ وأقبلت على المناقضة مع مخالفيكَ، ورفعت نفسك عليهم، وتطاولت بعلمك لديهم، وانقبضت عن معاشرتهم ومخالطتهم، وهجرتَهم فهجروك، وشتمتهم فشتموك، وضلَّلتهم فضلَّلوك، وبدَّعتهم فبدَّعوك، واتصل ذلك الشينُ بنا بك، واحتجتَ إلى الهرب؛ والانتقال عنهم، وليس هذا برأي! فإنه ليس بعاقل مَن لم يدار مَن ليس له من مدارته بُدّ، حتى يجعل الله له مخرجًا. قال السَّمتيُّ: ولقد كنت مُزمعًا (1) على قال!.

ثم قال أبو حنيفة - رضي الله عنه: إذا دخلت البصرة واستقبلك الناس، وزاروك وعرفوا حقّك؛ فأنزل كلّ رجل منهم منزلته، وأكرم أهل الشرف، وعظّم أهل العلم، ووقّر الشيوخ، ولاطف الأحداث، وتقرب من العامّة، ودار الفجّار، واصحب الأخيار، ولا تتهاون بالسلطان، وتحقرنّ أحدًا يقصدك، ولا تقصّرنّ في إقامة مودّتك إياهم، ولا تخرجنّ سرّك إلى أحد، ولا تثقنّ بصحبة أحدٍ حتى تمتحنه، ولا تخادم خسيسًا، ولا وضيعًا، ولا تقولنَّ من الكلام ما ينكر عليك في ظاهره.

(1) أي قاصدًا ومصرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت