الصفحة 263 من 306

وإن استقرّوا على ذلك، وألِفوه، وعرفوا مقدارك وعظَّموا محلّك؛ فأعط كلّ مَن يختلف إليك نوعًا من العلم ينظرون فيه، ويأخذ كلٌّ منهم بحظِّ شيء من ذلك. وخذهم بجليّ العلم دون دقيقه.

وآنسهم ومازحهم أحيانًا، وحادثهم، فإنها تجلبُ المودّة وتستديم به مواظبةُ العلم، وأطعمهم أحيانًا، واقض حوائجهم، واعرف مقدارهم، وتغافل عن زلاّتهم، وارفق بهم وسامحهم.

ولا تبد لأحد منهم ضيقَ صدرٍ أو ضَجَرًا، وكن كواحد منهم.

وارض منهم ما ترضى لنفسك.

وعامل الناس معاملتك لنفسك.

واستعن على نفسك بالصيانة لها، والمراقبة لأحوالها.

ولا تضْجر لمن لا يضجُر عليك.

ودع الشَّغَب، واستمع لمن يستمع منك، ولا تكلِّف الناس ما لا يكلّفوك، وارضَ لهم ما رضوا لنفسهم، وقدِّم حسن النيّة، واستعمل الصدق، واطرح الكبر جانبًا.

وإياك والغَدْرَ، وإن غدورا بك، وأدِّ الأمانة؛ وإن خانوك.

وتمسّك بالوفاء، واعتصم بالتقوى.

وعاشِر أهل الأديان حسب معاشرتهم لك، فإنك إن تمسَّك بوصيتي هذه رجوتُ أن تسلم، وتعيشَ سالمًا إن شاء الله تعالى.

ثم إنه ليحزنني مفارقَتُك، وتؤنسني معرفتُك؛ فواصلني بكتبك، وعرّفني بحوائجك، وكن لي كابنٍ فإني لك كأب.

قال يوسف بن خالد السَّمتيُّ:

ثم أخرج إلي دنانير وكسوة وزادًا وخرج معي، وحمَّل ذلك حمّالًا، وجمع أصحابه حتى شيّعوني، وركب معهم حتى بلغنا شط الفرات، ثم ودّعوني وودّعتهم.

وكانت منَّةُ أبي حنيفة - رضي الله عنه - بوصيته إلىّ وبِرّه أعظم من كل مِنَّة تقدَّمت عليَّ.

وقدِمتُ البصرة، فاستعملت ما قال، فما مرَّت عليَّ أيامٌ يسيرة حتى صاروا كلهم لي أصدقاء، وانتقضت المجالس، وظهر بالبصرة مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه -، كما ظهر بالكوفة، وسقط مذهب الحسن وابن سرين - رضي الله عنهم -، فما زالت كتب أبي حنيفة - رضي الله عنه - تجيئني إلى أن مات رحمه الله تعالى.

فهنيئًا لك من معلّم صالح وأستاذ صالح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت