الصفحة 270 من 306

نشأ في بلهنية العيش ببيت والده المثرى بالكوفة، ولما بلغ سن التمييز تعلم القرآن الكريم، وحفظ منه ما تيسر له حفظه، وأخذ يحضر دروس اللغة العربية والرواية، وعندما بلغت سنه أربع عشرة سنة حضر مجلس أبي حنيفة ليسأله عن مسألة نزلت به، فسأله قائلًا: ما تقول في غلام احتلم بالليل بعدما صلى العشاء، هل يعيد العشاء؟ قال: نعم، فقام وأخذ نعله وأعاد العشاء في زاوية المسجد، وهو أول ما تعلم من أبي حنيفة، فلما رآه يعيد الصلاة أعجبه ذلك، وقال: إن هذا الصبي يفلح إن شاء الله تعالى، وكان كما قال، ثم ألقى الله سبحانه في قلبه حب التفقه في دين الله بعد أن رأى جلال مجلس الفقه، فعاد إلى المجلس يريد التفقه، فقال له أبو حنيفة - رضي الله عنه: استظهر القرآن أولًا؛ لأن المتفقه على طريق أبي حنيفة - رضي الله عنه - في حاجة شديدة إلى ذلك؛ لأنه ما دام الاحتجاج بالقرآن ميسورًا لا يعدل عنه إلى حجة سواه، وله المنْزلة الأولى في الحجّة عنده حتى إن عموماته قطعية فيما لم يلحقه تخصيص.

ويظهر أن محمد بن الحسن - رضي الله عنه - لم يكن إذ ذاك جيد الاستظهار للقرآن فغاب سبعة أيام، ثم جاء مع والده وقال: حفظته وسأل أبا حنيفة - رضي الله عنه - عن مسألة، فقال له أبو حنيفة: أخذت هذه المسألة من غيرك أم أنشأتها من نفسك. فقال محمد - رضي الله عنه: من عندي. فقال أبو حنيفة: سألت سؤال الرجال، أدم الاختلاف إلينا وإلى الحلقة، ومن ذلك الحين أقبل محمَّد بن الحسن إلى العلم بكليّته يلازم حلقة أبي حنيفة - رضي الله عنه - ويكتب أجوبة المسائل في مجلسه ويدونها، وبعد أن لازمه أربع سنين على هذا الوجه توفي الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه -، ثم أتمّ الفقه على طريقة أبي حنيفة - رضي الله عنه - عند أبي يوسف - رضي الله عنه -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت