وكان الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - يناصرهما على حقِّهما في مقابل الظلم بما أوتي من منطق وقوّة، قال أبو نعيم الفضل بن دكين - رضي الله عنه -، سمعت زفر بن الهذيل - رضي الله عنه -، يقول: (( كان أبو حنيفة يجهر حين خرج إبراهيم بالبصرة جهرًا شديدًا، فقلت له: والله ما أنت بمنته حتى تؤتي فتوضع في أعناقنا الحبال.
قال أبو نعيم: فلما كان بعد ذلك كتب المنصور إلى عيسى بن موسى، وهو على الكوفة يأمره أن يحمل أبا حنيفة إلى بغداد.
قال أبو نعيم: فغدوت أريد أبا حنيفة فلقيته راكبًا يريد وداع عيسى، وقد كاد وجهه يسود خوفًا، فقدم بغداد فمات فيها، وهو ابن سبعين سنة.
قال أبو نعيم: سقى شربة فمات منها، وأخبرت أنه لما حضر بين يدي المنصور دعا له بسويق وأمره بشربه فامتنع، فقال لتشربنه، فامتنع فأكرهه حتى شربه، ثم قام مبادرًا، فقال له جعفر: إلى أين؟ قال: إلى حيث بعثت بي، فمضى به إلى السجن فمات في السجن )) (1) .
قال الذهبي - رضي الله عنه - (2) : (( وبلغنا أن المنصور سقاه السم فاسود ومات شهيدًا ) ).
وكأن أبو جعفر المنصور بعد أن نقلَه من الكوفة إلى بغداد ساومه وأراد أن يوليه القضاء فامتنع (3) ، فقال: أترغب عما نحن فيه؟ فقال: لا أصلح للقضاء. قال: كذبت. قال: قد حكم علي أمير المؤمنين أني لا أصلح؛ لأنه نسبني إلى الكذب، فإن كنت كاذبًا فلا أصلح، وإن كنت صادقًا فقد أخبرتك أني لا أصلح، فحبسه (4) .
(1) ينظر: مناقب الصيمري ص87-88، وغيرها.
(2) في مناقب أبي حنيفة ص21.
(3) ينظر: مقدمة الهداية 2: 6، وغيره.
(4) ينظر: مناقب أبي حنيفة - رضي الله عنه - للذهبي ص16، وغيره.