وإنما عفَّ أبو حنيفة - رضي الله عنه - عن القضاء لشدّة تقواه وورعه، ولعلمه بما كان من الظلم في زمن أبي جعفر - رضي الله عنه - وإلا فلا يوجد مَن هو أكثر أهلية منه عليه، حيث خرَّج الفقهاء من درسه، وكافيك منهم أبو يوسف - رضي الله عنه - فهو أول من دعي قاضي القضاة في الإسلام، قال أبو يوسف - رضي الله عنه: (( اجتمعنا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - في يوم مطير في نفر من أصحابه منهم داود الطائي والقاسم بن معن وعافية بن يزيد وحفص بن غياث ووكيع ابن الجراح ومالك بن مغول وزفر، فأقبل علينا بوجهه، وقال: أنتم مسار قلبي، وجلاء حزني، أسرجت لكم الفقه وألجمته، وقد تركت الناس يطؤون أعقابكم، ويلتمسون ألفاظكم، ما منكم واحد إلا يصلح للقضاء، فسألتكم بالله وبقدر ما وهب الله لكم من جلالة العلم لما صنتموه عن ذل الاستئجار… ) ) (1) .
وكانت وفاته رحمه الله تعالى (150هـ) في رجب على الأصح (2) ، وهو ساجد في السجن، وأوصى أن يدفن بمقابر الخيزران، فدفن فيها (3) ، وازدحم الناس في جنازته فحزر مَن صلَّى عليه فكان مقدار خمسين ألف (4) ، وجاء المنصور فصلى على قبره، ومكث الناس يصلون على قبره أكثر من عشرين يومًا (5) .
(1) ينظر: مناقب أبي حنيفة - رضي الله عنه - للذهبي ص17، وغيرها.
(2) ينظر: مناقب الذهبي ص21، وغيرها.
(3) ينظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص87-88، وغيره.
(4) ينظر: مناقب الموفق ص300-301، وغيرها.
(5) ينظر: مناقب الصيمري ص88، وغيرها.