وهذه الملازمة الصادقة رفعت درجته، وخصته بجمع فقه الإمام النخعي - رضي الله عنه -، وقال العجلي - رضي الله عنه: (( كان أفقه أصحاب إبراهيم - رضي الله عنه - ) )، وصارت تغبط الكوفة لكون حماد فيها، قال شعبة - رضي الله عنه: سمعت الحكم - رضي الله عنه - يقول: (( ومَن فيهم مثل حماد - رضي الله عنه - يعني أهل الكوفة ) ).
فبلغ من الفقه والنبوغ ما فاق به أقرانه وشيوخه كالشعبي - رضي الله عنه -، قال أبو إسحاق الشيباني - رضي الله عنه: (( حماد بن أبي سليمان أفقه من الشعبي، ما رأيت أفقه من حماد ) ).
واعتزازه بفقه الكوفة الذي تلقاه عن شيوخها، وثقته العالية به، وانتشاره في ربوعها، وتمرّس الطلبة بالفقه، وتمكنهم منه؛ لأخذهم من الفقهاء أمثال حماد - رضي الله عنه -، جعله - رضي الله عنه - يقول كما روي عن مغيرة - رضي الله عنه -، قال: (( حجّ حماد بن أبي سليمان فلما قدم أتيناه فقال: أبشروا يا أهل الكوفة رأيت عطاءً وطاوسًا ومجاهدًا فصبيانكم، بل صبيان صبيانكم أفقه منهم ) ) (1) .
قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (2) : (( إنما قال هذا تحديثًا بالنعمة، وردًا على بعض شيوخ الرواية، ممن لم يؤت نصيبًا من الفقه، حيث كان يفتي في مسجد الكوفة، غلطًا، ويقول: لعل هناك صبيانًا يخالفوننا في هذه الفتاوى، وماذا يفيد تقدم السنّ في الرواية لمن حرم الدراية، ويريد بالصبيان الذين لم تتقادم أسنانهم من أهل العلم كحماد وأصحابه - رضي الله عنهم -، فحمّاد - رضي الله عنه - يفوق هؤلاء في الفقه، وكذلك خاصّة أصحابه، وإن كنت في ريب من ذلك فقارن بين ما توارث من هؤلاء وهؤلاء في الفقه، ثم احكم بما شئت، وليس الكلام في الرواية المجرّدة ) ).
(1) في الكامل 2: 236، والميزان 2: 366، وضعفاء العقيلي 1: 302، وسير أعلام النبلاء 5: 234، وغيرها.
(2) في مقدمة نصب الراية ص309-310.