فتحصّل من هذا أن في الكوفة فقهًا منقولًا متوارثًا وحديثًا متداولًا شائعًا تميَّزت به، والإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - هو ناقل ومتتبع لأهل الكوفة في فقههم وحديثهم، مع معرفته - رضي الله عنه - بغيره من الحديث غير المعمول به عند أهل الكوفة، شهد بذلك تلميذه الإمام الفقيه المحدث أبو يوسف - رضي الله عنه - حيث ذكر أنه يختار بعض المسائل مخالفًا للإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - لحديث، وهذا الحديث لم يعمل به الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - تبعًا لمشايخه لما ثبت لهم في ذلك على خلافه؛ لدقة معرفته - رضي الله عنه - بالصحيح من غيره، ففال: (( ما خالفت أبا حنيفة - رضي الله عنه - في شيء قط فتدبرته، إلا مذهبه الذي ذهب إلي أنجى في الآخرة، وكنت ربّما ملت إلى الحديث، وكان هو أبصر بالحديث الصحيح مني ) ) (1) .
وتطبيق ذلك أنه - رضي الله عنه - لا يخالف هذا فقه أهل الكوفة لمعرفته بعلّة ما يقابلها من الآثار من ذلك ما قال ابن المبارك - رضي الله عنه -: (( لقد سئل أبا حنيفة - رضي الله عنه - عن الرطب بالتمر، قال: لا بأس به، فقالوا: حديث سعد، فقال: ذاك حديث شاذ لا يؤخذ برواية زيد أبي عياش، فمن تكلم بهذا لم يكن يعرف الحديث ) ) (2) .
ومن ذلك أيضًا: عن داود بن المحُبَّر، قال: (( قيل لأبي حنيفة - رضي الله عنه: المحرم لا يجد الإزارَ يَلبَسُ السراويل؟ قال: لا، ولكن يَلبَسُ الإزار، قيل له: ليس له إزارٌ، قال يبيع السراويل ويشتري بها إزارًا.
(1) ينظر: أخبار أبي حنيفة ص11، وغيره.
(2) ينظر: أخبار أبي حنيفة ص12، وغيره.