قيل له: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب وقال: (المحرم يلبس السراويل إذا لم يجد الإزار) ، فقال أبو حنيفة - رضي الله عنه: لم يصح في هذا عندي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء فأفتي به، وينتهي كلُّ امرئٍ على ما سمع، وقد صحّ عندنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يلبس المحرمُ السراويل) ، فننتهي إلى ماسمعنا.
قيل له: أتخالف النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: لعن الله مَن يخالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، به أكرمنا، وبه استنقذنا )) (1) .
ومن أراد التوسع في التطبيق فليراجع المطولات من كتب الفقه وأدلة الأحكام والتخاريج، فإن فيها كفاية لكل طالب تبيِّن استقلال هذه المدرسة في فقهها واستدلالها.
فمدرسة الكوفة الممثلة بالمذهب الحنفي لها طريقها ومسلكها القويم الذي يوصلها إلى الحضرة النبوية وفقهها من خلال هؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - الذي حلوا في الكوفة، ونقلوا ما رأوه وما سمعوه إليها مع التطبيق العملي له بين أهلها، وعلى رأسهم علي وابن مسعود - رضي الله عنهم -، ثم تظافرت الجهود من الحفاظ والفقهاء بالحفاظ على هذا الإرث العلمي والفقهي والحديث حتى تبلورت منه أقوى مدارس الإسلام في أصولها وفروعها واستدلالها.
وهذا الاستناد والاعتماد في هذه المدرسة هو سرُّ ثقة كبار العلماء والحفاظ والفقهاء بها وقبولهم لفقهها دون نزاع عبر كل هذه القرون المتطاولة، فمن أدرك هذا أراح نفسه وأراح غيره ومشى على بصيرة في دينه، ومن غفل عنه وأراد أن يعيد بناء الفقه من جديد وينقح مسائله على مدّعاه أتعب نفسه وظلم غيره ممن يصغي إليه.
(1) ينظر: هامش مكانة الإمام أبي حنيفة ص75، وغيره.