والطريق التي يحكم بها العاقل هي طريق أئمتنا، والمتمثلّة عند أهل السنة بالتزام كل قوم بمذهبهم واعتمادهم لمسائله؛ لتنتظم أمور حياتهم وعباداتهم، دون تشويش مشوش، وما يعرض في كتب الفقه من تقوية لفروع كل مذهب بمقابل غيره من المذاهب من قبل علمائه، فإن فيه زيادة ثقة كل قوم بمذهبهم، لا تضعيف لمسائل غيرهم من المذاهب؛ لأنك لو راجعت كتب المذاهب الأخرى لرأيت قوة استدلالهم فيما ذهبوا إليه، مما يبرهن أن كلَّ مسألة عند أهلها معتمدة ومعتبرة، وأن ردّ غيرهم وتضعيفهم لها لا يؤثر عليهم في اعتمادهم عليهما، وإنما هي سنة الله - عز وجل - ليبقى هذا العلم محفوظًا من الضياع، { وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } (1) .
انهيار النظرية القائلة بتقسيم الفقهاء إلى مدرسة حديث ومدرسة رأي:
إذا تمهَّد لك ما سبق عرفت مدى سقوط ما شاع بين المعاصرين من تقسيم دور التابعين والأئمة إلى مدرستين: مدرسة أهل حديث في المدينة، ومدرسة أهل رأي في الكوفة، فالأولى تعتمد على النصوص الشرعية في استنباط الأحكام؛ لتوافرها لديها، والثانية: اعتمادها على الرأي والقياس؛ لقلّة الأحاديث بين يديها، ومن البراهين الساطعة والحجج الدامغة على أن هذه النظرية مجرد خيال وأوهام:
إن التسلسل التفصيلي لمدرسة الكوفة السابق ذكره، يبيِّن بكل جلاء ووضوح أن كبار حفاظ ومحدثي هذه الأمة هم من أهل الكوفة، ففي كل طبقة عشرات منهم، وهذا دليل دامغ على بطلان هذه النظرية؛ لأنهم يدَّعون قلة الحديث فيها، ومعلوم أن وجود الحديث بوجود المحدثين والحفاظ، فإذا ثبت وجودهم ثبت توفر الحديث وكثرته عند أهل الكوفة.
(1) البقرة: من الآية251.