إن هذه النظرية كانت وراءها أصابع خفية تسعى إلى إفقاد المسلمين ثقتهم بفقههم وفقهائهم، وذلك بتشويش صورته بأنه بعضه عبارة عن رأي محض بلا دليل من حديث وغيره، والآخر حديث بلا رأي، فلا هذا مستقيم، ولا هذا، فيحلّ لأي أحد أن ينبذه، ويقيم ما شاء من الأحكام مكانه، وهذا ما فعلته المدرسة الإصلاحية بقيادة محمد عبده وتلاميذه.
وذلك لأنه بعد أن وقعت جلّ الدول الإسلامية تحت وطأة المستعمرين في مطلع القرن العشرين، كان لا بدّ من حيلة لهم للسيطرة على المسلمين واستمرار الولاء لهم أمام تمسّك الناس بدينهم وأحكامه الثابتة ووقوف الأزهر ـ الذي كان يعتبر منارة المشرق الإسلامي في القرون المتأخرة ـ سدًا منيعًا في وجههم، حملت هذه الحيلة شعارات براقة في ظاهرها: كفتح باب الاجتهاد، والرجوع إلى الكتاب والسنة، والسير على طريق السلف، ودراسة الفقه المقارن؛ من أجل الإصلاح الديني والاجتماعي كما يزعمون، لكن الواقع يثبت أن خلافه الذي حصل؛ لما تحويه من السم الذي دسَّ في الباطن.
وكان من أكبر الدعاة لهذه الحركة محمّد عبده وتلميذه محمّد رشيد رضا (ت1935م) الذي أصدر مجلة (( المنار ) )لبث هذه الأفكار، وألف كتابًا سمّاه (( يسر الإسلام وأصول التشريع العام ) )جعل الفقهاء فيه قسمين: أهل حديث وأهل رأي.
يقول الإمام الكوثري (1) - رضي الله عنه - عن محمد رشيد رضا في كتابه هذا: (( ويتصوّر فريقين من الفقهاء، أهل رأي، وأهل حديث، وليس لهذا أصل بالمرّة، وإنما هذا خيال بعض متأخري الشذاذ، أخذًا من كلمات بعض جهلة النقَلة، بعد محنة أحمد.
(1) في مقدمة نصب الراية ص289.