الصفحة 94 من 306

وأما ما وقع في كلام إبراهيم النَّخَعي وبعض أهل طبقته من القول: بأن أهل الرأي أعداء السنن، فبمعنى الرأي المخالف للسنة المتوارثة في المعتقد، يعنون به الخوارج، والقدرية، والمشبهة، ونحوهم من أهل البدع، لا بمعنى الاجتهاد في فروع الأحكام، وحمله على خلاف ذلك تحريف للكلم عن مواضعه، فكيف! والنخعي نفسه، وابن المسيِّب نفسه من أهل القول بالرأي في الفروع، رغم انصراف المتخيلين، خلاف ذلك )) .

فما تخيّله وتصوره محمد رشيد رضا من وجود مدرستين: مدرسة أهل الحديث ممثلة بالمدينة وعلى رأسها الإمام مالك - رضي الله عنه -، ومدرسة أهل الرأي ممثلة بالكوفة وعلى رأسها الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، مشى عليه من جاء بعده (1) وتوسَّعوا في الكلام والتعليل له بما يطول الكلام فيه.

وهذا التخيل والتصور ليس له وجود إلا في أذهانهم؛ لتحقيق أهداف ومقاصد يسعون لها، وأما في الواقع فلا وجود له، ولم يسبق للقول به أحد من العلماء المعتد بهم إطلاقًا.

إن النصوص التاريخية تثبت أن أهل الفقه يسمون أهل الرأي سواء كانوا في المدينة أو في الكوفة، وبذلك يتبين تخصيص أهل الكوفة بأهل الرأي بالمعنى الذي ذهبوا إليه غير صحيح، ومن تلك النصوص:

ذكر ابن قتيبة في كتاب (( المعارف ) )الفقهاء بعنوان أصحاب الرأي، ويَعدُّ فيهم الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس - رضي الله عنهم -.

وذكر الحافظ محمد بن الحارث الخشني، أصحاب مالك - رضي الله عنه - في (( قضاة قرطبة ) )باسم أصحاب الرأي.

وهكذا فعل أيضًا الحافظ أبو الوليد بن الفرضي في (( تاريخ علماء الأندلس ) ).

(1) ينظر: المدخل الفقهي العام 1: 167 والمدخل العام لدراسة الشريعة الإسلامية ص114، والمدخل إلى أصول الفقه وتاريخ التشريع الإسلامي ص157، والمدخل للتشريع الإسلامي ص150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت