الصفحة 95 من 306

وكذلك الحافظ أبو الوليد الباجي، يقول في شرح حديث الداء العضال من (( الموطأ ) )في صدد الردّ على ما يرويه النقلة عن مالك - رضي الله عنه -، في تفسير الداء العضال (1) : (( ولم يرو مثل ذلك عن مالك أحد من أهل الرأي من أصحابه ) )، يعني من أهل الفقه، من أصحاب مالك - رضي الله عنه -، إلى غير ذلك، مما لا حاجة إلى استقصائه هنا (2) .

وقد بيَّن العلامة أبو زهرة - رضي الله عنه - زيف هذه النظرية، وانتقد المعاصرين القائلين فيها، فقال (3) : (( قد وجدنا أن كتاب تاريخ الفقه في عصرنا يعدون مالكًا - رضي الله عنه - فقيه أثر لا فقيه رأي، وسايرناهم في بعض كتابتنا السابقة في هذا المقام، وقلنا أن طريقة فقهاء المدينة في الاستنباط تقابل طريقة فقهاء العراق، وأن أهل المدينة يعتمدون على الأثر في أغلب استنباطاتهم وأن العراقيين يغلب على فقههم الرأي، ولكنا عند دراسة مالك خاصة وجدناه فقيه رأي كما هو فقيه أثر، وأن ما يقال عن فقه المدينة في كتابات بعض المعاصرين لا ينطبق تمام الانطباق على فقه مالك - رضي الله عنه - الذي طبع به الفقه المدني في عصره، وإن كان الرأي الذي ارتضاه مالك - رضي الله عنه - ليس هو الرأي الذي اختاره أبو حنيفة وأصحابه - رضي الله عنهم - وسائر العراقيين من كل الوجوه، فالفرق بينهما في طريقة الاستنباط لا في مقداره.

وتلك قضية قد لمحناها في دراستنا السابقة، وفحصناها في الدراسة، فوجدنا أن ما أدركناه بلمح النظر، وهو ما انتهينا إليه بعد ترديد البصر….

(1) في الموطأ 2: 975: حدثني مالك: أنه بلغه أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أراد الخروج إلى العراق فقال له كعب الأحبار: لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين، فإنّ بها تسعة أعشار السحر، وبها فسقة الجنّ وبها الداء العضال.

(2) ينظر هذه النقولات في مقدمة نصب الراية ص286-287.

(3) في كتاب مالك حياته وعصره ص 17-18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت