الصفحة 96 من 306

وبذلك تنهار النظرية التي تقرِّر أن سببَ الإكثار من الرأي هو قلّة العلم بالحديث، فما كان علم مالك - رضي الله عنه - بالحديث قليلًا، بل كان كثيرًا ولكنّ الحوادث التي وقعت، والمسائل التي سئل فيها كانت أكثر بقدر كبير جدًا، فكان لا بُدّ من الرأي، ولا بُدّ من الإكثار منه، ما دام يفتي ويستفتي، ويجيء إليه الناس من الشرق والغرب سائلين مستفتين )) .

وممّا يؤيِّد سقوط مثل هذه النظرية أن ربيعة الرأي سمّي بذلك لاشتهاره في القول بالرأي مع أنه كان أحفظ الناس لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن الماجشون - رضي الله عنه: (( والله ما رأيت أحدًا أحفظ لسنَّة من ربيعة ) ) (1) .

وقال أبو زهرة أيضًا (2) : (( إننا في هذه الدراسة سنرى أن مالكًا - رضي الله عنه - لم يكن في اعتماده على الرأي مقلًا كما توهم عبارات الذي كتبوا في الفقه الإسلامي، حتى إنهم ليقسموا الفقه إلى فقه الأثر، وفقه الرأي، ويعدون موطن الأول المدينة، ويعدون موطن الثاني العراق، ويذكرون أن مالكًا فقيه أثر، وأن أبا حنيفة - رضي الله عنه - فقيه رأي.

وقلنا أن هذه القضية تلوح لنا غير صادقة بالنسبة لمالك - رضي الله عنه - وإن كانت صادقة بالنسبة لأبي حنيفة - رضي الله عنه -، وقلنا أنا وجدنا ابن قتيبة يعدّ مالكًا فقيه رأي، وذكرنا في بيان حياة مالك - رضي الله عنه - أن معاصريه كانوا يعتبرونه فقيه رأي )) .

ومن هؤلاء المعاصرين ما ذكره ابن عبد البر - رضي الله عنه - (3) : (( قال ابن لَهيعة: قدم علينا أبو الأسود في سنة إحدى وثلاثين ومئة، فقلت: من للرأي بعد ربيعة بالمدينة؟ قال: الغلام الأصبحي ) ).

(1) ينظر: العبر1: 183. والميزان 3: 68، ,غيرهما.

(2) في مالك حياته وعصره ص251.

(3) في الانتقاء في فضائل الأئمة الفقهاء ص59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت