وبذلك يتبيَّن أن ما يقال من وجود مدرسة أهل حديث غير دقيق بهذا الوصف؛ لأن أهل الحديث هم المشتغلون بالروايات من حيث النقل وكثرة الأسانيد وعلوّها وصحّتها وضعفها لا مَن يشتغل باستنباط الأحكام الفقهيّة،يقول الإمام الكوثري (1) : (( وأمّا أهل الحديث فهم الرواة النقلة، وهم الصيادلة، كما أن الفقهاء هم الأطباء، كما قال الأعمش - رضي الله عنه -، فإذا اجترأ على الإفتاء أحد الرواة الذين لم يتفقهوا، يقع في مهزلة، كما نصَّ الرامهرمزي في (( الفاصل ) )، وابن الجوزي في (( التلبيس ) )، و (( أخبار الحمقى ) )، والخطيب في (( الفقيه والمتفقه ) )، على نماذج من ذلك، فذكر مدرسة للحديث هنا مما لا معنى له )) .
إن أهل الكوفة كانوا على درجة عالية جدًا من العناية بالحديث وروايته؛ لما سبق من كثرة الحفاظ والمحدثين فيهم، ومما يؤيد ذلك:
قال الإمام الرامهرمزي (2) - رضي الله عنه - (ت360هـ) : عن ابن سيرين - رضي الله عنه -، قال: (( أتيت الكوفة فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث، وأربعمئة قد فقهوا ) ) (3) .
وفي أي مصر من أمصار المسلمين، غير الكوفة، تجد مثل هذا العدد العظيم للمحدثين، والفقهاء، وفي هذا ما يدل على أن الفقيه مهمته شاقة جدًا، فلا يكثر عدده كثرة عدد النقلة (4) .
(1) في مقدمة نصب الراية ص287.
(2) في المحدث الفاصل 1: 560، 408.
(3) ينظر: طبقات الحفاظ 1: 27 وغيره.
(4) ينظر: مقدمة نصب الراية ص310، وغيره.