فهرس الكتاب

الصفحة 1428 من 4224

"صفحة رقم 310"

مشبهين لأهل خشية الله . أو أشد خشية ، يعني: أو أشد خشية من أهل خشية الله . وأشد معطوف على الحال . ( فإن قلت ) : لم عدلت عن الظاهر وهو كونه صفة للمصدر ولم تقدره: يخشون خشية الله ، بمعنى مثل ما يخشى الله ؟ ( قلت ) : أبى ذلك قوله: أو أشد خشية ، لأنه وما عطف عليه في حكم واحد . ولو قلت: يخشون الناس أشدّ خشية لم يكن إلا حالًا عن ضمير الفريق ، ولم ينتصب انتصاب المصدر ، لأنك لا تقول: خشي فلان أشد خشية ، فتنصب خشية وأنت تريد المصدر ، إنما تقول: أشد خشية فتجرها ، وإذا نصبتها لم يكن أشد خشية إلا عبارة عن الفاعل حالًا منه ، اللهم إلا أنْ تجعل الخشية خاشية على حد قولهم: جد جده ، فتزعم أن معناه يخشون الناس خشية مثل خشية أشدّ خشية من خشية الله . ويجوز على هذا أن يكون محل أشدّ مجرورًا عطفًا على خشية الله ، يريد: كخشية الله أو كخشية أشدّ خشية منها انتهى كلامه . وقد يصح خشية ، ولا يكون تمييزًا فيلزم من ذلك ما التزمه الزمخشري ، بل يكون خشية معطوفًا على محل الكاف ، وأشدّ منصوبًا على الحال لأنه كان نعت نكرة تقدم عليها فانتصب على الحال والتقدير: يخشون الناس مثل خشية الله أو خشية أشد منها . وقد ذكرنا هذا التخريج في قوله تعالى: ) أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ( وأوضحناه هناك . وخشية الله مصدر مضاف إلى المفعول ، والفاعل محذوف أي: كخشيتهم الله . وأو على بابها من الشك في حق المخاطب ، وقيل: للإبهام على المخاطب . وقيل: للتخيير . وقيل: بمعنى الواو . وقيل: بمعنى بل . وتقدّم نظير هذه الأقوال في قوله: ) أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ( ولو قيل أنها للتنويه ، لكان قولًا يعني: أنّ منهم من يخشى الناس كخشية الله ، ومنهم من يخشاهم خشية تزيد على خشيتهم الله .

( وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ( الظاهر أن القائلين هذا: هم منافقون ، لأن الله تعالى إذا أمر بشيء لا يسأل عن علته من هو خالص الإيمان ، ولهذا جاء السياق بعده: ) وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَاذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هَاذِهِ مِنْ عِندِكَ ( وهذا لا يصدر إلا من منافق . ولولا للتحضيض بمعنى هلاّ وهي كثيرة في القرآن . والأجل القريب هنا هو موتهم على فرشهم كذا قاله المفسرون . وذكر في حرف ابن مسعود: لولا أخرتنا إلى أجل قريب فنموت حتف أنفنا ولا نقتل ، فتسر بذلك الأعداء . ومن قال: إنه من قول المؤمنين ، فيكونون قد طلبوا التأخير في كتب القتال إلى وقت ظهور الإسلام وكثرته ، وهو بعيد . لأن لفظ لم رد في صدر أمر الله ، وعدم استسلامهم له مع قولهم: وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك . وقال الزمخشري: لولا أخرتنا إلى أجل قريب استزادة في مدّة الكف ، واستمهال إلى وقت آخر كقوله: ) لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ ). وقال الراغب: وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ، يجوز أن يكون تفوهوا به ، ويجوز أن يكون اعتقدوه وقالوا في أنفسهم ، فحكى تعالى ذلك عنهم تنبيهًا على أنهم لما استصعبوا ذلك دل استصعابهم على أنهم غير واثقين بأحوالهم .

( قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالاْخِرَةُ خَيْرٌ لّمَنِ اتَّقَى( تقدم الكلام على كون متاع الدنيا قليلًا في قوله: ) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ( وإنما قل: لأنه فان ، ونعيم الآخرة مؤبد ، فهو خير لمن اتقى الله وامتثل أمره في ما أحب ، وفي ما كان شاقًا من قتال وغيره . وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير: ولا يظلمون بالياء ، وباقي السبعة بالتاء على الخطاب ، وهو التفات أي: لا تنقصون من أجور أعمالكم ومشاق التكاليف أدنى شيء ، فلا ترغبوا عن الأجر .

النساء: ( 78 ) أينما تكونوا يدرككم . . . . .

( أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ( أي: هذا التأخر الذي سألوه لا فائدة فيه ، لأنه لا منجي من الموت سواء أكان بقتل أم بغيره ، فلا فائدة في خور الطبع وحب الحياة . وتحتمل هذه الجملة أن يكون ذلك تحت معمول قل ، ويحتمل أن يكون إخبارًا من الله مستأنفًا بأنه لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت