فهرس الكتاب

الصفحة 1439 من 4224

"صفحة رقم 321"

ومناسبة هذه الآية هي: أنه لما ذكر في الآيات قبلها تثبيطهم عن القتال ، واستطرد من ذلك إلى أنَّ الموت يدرك كل أحد ولو اعتصم بأعظم معتصم ، فلا فائدة في الهرب من القتال ، وأتبع ذلك بما أتبع من سوء خطاب المنافقين للرسول عليه السلام ، وفعلهم معه من إظهار الطاعة بالقول وخلافها بالفعل ، وبكتهم في عدم تأملهم ما جاء به الرسول من القرآن الذي فيه كتب عليهم القتال ، عاد إلى أمر القتال . وهكذا عادة كلام العرب تكون في شيء ثم تستطرد من ذلك إلى شيء آخر له به مناسبة وتعلق ، ثم تعود إلى ذلك الأول .

والفاء هنا عاطفة جملة كلام على جملة كلام يليه ، ومن زعم أنّ وجه العطف بالفاء هو أن يكون متصلًا بقوله: ) وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ ( أو بقوله: ) فَسَوْفَ يُؤْتِيهُ أَجْرًا عَظِيمًا ( وهو محمول على المعنى على تقدير شرط أي: إن أردت الفوز فقاتل . أو معطوفة على قوله: ) فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ ( فقد أبعد . وظاهر الأمر أنه خطاب للنبي( صلى الله عليه وسلم ) ) وحده ، ويؤكده: لا تكلف إلا نفسك . وحمله الزمخشري على تقدير شرط ، قال: أي إن أفردوك وتركوك وحدك لا تكلف إلا نفسك وحدها أن تقدمها للجهاد ، فإنّ الله هو ناصرك لا الجنود ، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف انتهى . وسبقه إليه الزجاج قال: أمره بالجهاد وإن قاتل وحده ، لأنه ضمن له النصرة . وقال ابن عطية: لم نجد قط في خبر أنّ القتال فرض على النبي دون الأمة مرة ما ، فالمعنى والله أعلم أنه خطاب للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) في اللفظ ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه: أي: أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له فقاتل في سبيل الله ، ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر ، أن يجاهد ولو وحده ، ومن ذلك قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ): ( لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي ) وقول أبي بكر وقت الردة: ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي .

ومعنى لا تكلف إلا نفسك: أي: لا تكلف في القتال إلا نفسك ، فقاتل ولو وحدك . وقيل: المعنى إلا طاقتك ووسعك . والنفس يعبر بها عن القوّة يقال: سقطت نفسه أي قوته . وقرأ الجمهور: لا تكلف خبرًا مبنيًا للمفعول ، قالوا: والجملة في موضع الحال ، ويجوز أن يكون إخبارًا من الله لنبيه ، لا حالًا شرع له فيها أنه لا يكلف أمر غيره من المؤمنين ، إنما يكلف أمر نفسه فقط . وقرىء: لا نكلف بالنون وكسر اللام ، ويحتمل وجهي الإعراب: الحال والاستئناف . وقرأ عبد الله بن عمر: لا تكلف بالتاء وفتح اللام ، والجزم على جواب الأمر . وأمره تعالى بحث المؤمنين على القتال ، وتحريك هممهم إلى الشهادة .

( عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ( قال عكرمة وغيره: عسى من الله واجبه ، ومن البشر متوقعة مرجوّة . والذين كفروا: هم كفار قريش ، وقد كف الله تعالى بأسهم ، وبدا لأبي سفيان ترك القتال . وقال: هذا عام مجدب ، وما كان معهم إلا السويق ، ولا يلقون إلا في عام مخصب فرجع بهم . وقيل: كف البأس يكون عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام . وقيل: ذلك يوم الحديبية . وقيل: هي فيمن ضربت عليهم الجزية . والجمهور على ما قدمناه من أنّ ذلك كان عند خروجهم إلى بدر الصغرى . والظاهر في هذا أنه لا يتقيد كف بأس الذين كفروا بما ذكروا ، والتخصيص بشيء يحتاج إلى دليل .

( وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا ( هذا تقوية لقلوب المؤمنين ، وأنّ بأس الله أشدّ من بأس الكفار . وقد رجى كف بأسهم ، ثم ذكر ما أعد لهم من النكال ، وأن اللَّه تعالى هو أشد عقوبة . فذكر قوّته وقدرته عليهم ، وما يؤول إليه أمرهم من التعذيب . قال الحسن وقتادة: وأشد تنكيلًا أي عقوبة فاصحة ، والأظهر أن أفعل التفضيل هنا على بابها . وقيل: هو من باب العسل أحلى من الخل ، لأن بأسهم بالنسبة إلى بأسه تعالى ليس بشيء .

النساء: ( 85 ) من يشفع شفاعة . . . . .

( مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا ( قال قوم: من يكن شفيعًا لوتر أصحابك يا محمد في الجهاد فيسعفهم في جهاد عدوّهم يكن له نصيب من الجهاد أو من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت