فهرس الكتاب
"صفحة رقم 326"
وقرأ حمزة والكسائي: أصدق بإشمام الصاد زايًا ، وكذا فيما كان مثله من صاد ساكنة بعدها دال ، نحو: يصدقون وتصدية . وأما إبدالها زايًا محضة في ذلك فهي لغة كلب . وأنشدوا: يزيد الله في خيراته
حامي الذمار عنده مضد مصدوقاته
يريد: عند مصدوقاته .
النساء: ( 88 ) فما لكم في . . . . .
( فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ( ذكروا في سبب نزولها أقوالًا طولوا بها وملخصها: أنّهم قوم أسلموا فاستوبؤا المدينة فخرجوا ، فقيل هم: أما لكم في الرسول أسوة ؟ أو ناس رجعوا من أحد لِما خرج الرسول ، وهذا في الصحيحين من قول زيد بن ثابت . أو ناس بمكة تكلموا بالإسلام وهم يعينون الكفار ، فخرجوا من مكة . قال الحسن ، ومجاهد: خرجوا الحاجة لهم ، فقال قوم من المسلمين ، اخرجوا إليهم فاقتلوهم ، فإنهم يظاهرون عدوكم . وقال قوم: كيف نقتلهم وقد تكلموا بالإسلام ؟ رواه ابن عطية عن ابن عباس . أو قوم قدموا المدينة وأظهروا الإسلام ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك ، أو قوم أعلنوا الإيمان بمكة وامتنعوا من الهجرة قاله: الضحاك . أو العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يسارًا ، أو المنافقون الذين تكلموا في حديث الإفك .
وما كان من هذه الأقوال يتضمن أنهم كانوا بالمدينة ، يردّه قوله: )حَتَّى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ( إلا إنْ حملت المهاجرة على هجرة ما نهى الله عنه ، والمعنى: أنه تعالى أنكر عليهم اختلافهم في نفاق من ظهر منه النفاق أي: من ظهر منه النفاق قطع بنفاقه ، ولو لم يكونوا باديًا نفاقهم ، لما أطلق عليه اسم النفاق . وفي المنافقين متعلق بما تعلق به لكم ، وهو كائن أي: أيّ شيء كائن لكم في شأن المنافقين . أو بمعنى فئتين أي: فرقتين في أمر المنافقين . وانتصب فئتين على الحال عند البصريين من ضمير الخطاب في لكم ، والعامل فيها العامل في لكم . وذهب الكوفيون إلى أنه منصوب على إضمار كان أي: كنتم فئتين . ويجيزون مالك الشاتم أي: كنت الشاتم ، وهذا عند البصريين لا يجوز ، لأنه عندهم حال ، والحال لا يجوز تعريفها .
( وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ ( أي: رجّعهم وردّهم في كفرهم قاله: ابن عباس ، واختار الفراء والزجاج: أوبقهم . روى عن ابن عباس: أو أضلهم ، قاله السدي . أو أهلكهم قاله قتادة ، أو نكسهم قاله الزجاج . وكلها متقاربة . ومن عبر به عن الإهلاك فإنه أخذ بلازم الإركاس . ومعنى بما كسبوا أي: بما أجراه الله عليهم من المخالفة ، وذلك الاركاس هو بخلق الله واختراعه ، وينسب للعبد كسبًا .
وقال الزمخشري: والله أرسكهم أي: ردّهم في حكم المشركين كما كانوا بما كسبوا من ارتدادهم ، ولحوقهم بالمشركين ، واحتيالهم على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) . أو أركسهم في الكفر بأنْ خذلهم حتى ارتكبوا فيه لما علم من مرض قلوبهم انتهى . وهو جار على عقيدته الاعتزالية ، فلا ينسب الاركاس إلى الله حقيقة ، بل يؤوّله على معنى الخذلان وترك اللطف ، أو على الحكم بكونهم من المشركين . إذ هم فاعلو الكفر ومخترعوه ، لا الله تعالى الله عن قولهم .
وقرأ عبد الله: ركسهم ثلاثيًا . وقرىء: ركسهم ركسوا فيها بالتشديد ، قال الراغب: الركس والنكس الرذل ، والركس أبلغ من النكس ، لأن النكس ما جعل أسفله أعلاه ، والركس أصله ما رجع رجيمًا بعد أن كان طعامًا فهو كالرجس وصف أعمالهم به ، كما قال: ) إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ( وأركسه أبلغ من ركسه ، كما أنَّ أسقاه بلغ من سقاه انتهى . وهذه الجملة في موضع الحال ، أنكر تعالى عليهم اختلافهم في هؤلاء المنافقين في حال أنّ الله تعالى قد ردهم في الكفر ، ومن يرده الله إلى الكفر لا يختلف في كفره .
( أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا