فهرس الكتاب
"صفحة رقم 334"
منقطعًا إذ لا يجوز أن يكون متصلًا لأنه يصير المعنى: إلا خطأ فله قتله . وإن كان نفيًا أريد به التحريم ، فيكون استثناء متصلًا إذ يصير المعنى: إلا خطأ بأن عرفه كافرًا فقتله ، وكشف الغيب أنه كان مؤمنًا ، فيكون قد أبيح الإقدام على قتل الكفر ، وإن كان فيهم من أسلم إذا لم يعلم بهم ، فيكون الإستثناء من الحظر إباحة . وقال بعض أهل العلم: المعنى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا عمدًا ولا خطأ فيكون إلا بمعنى: ولا ، وأنكر الفراء هذا القول ، وقال: مثل هذا لا يجوز ، إلا إذا تقدم استثناء آخر ، ويكون الثاني عطف استثناء على استثناء ، كما في قول الشاعر: ما بالمدينة دار غير واحدة
دار الخليفة إلا دار مروانا
وروى أبو عبيدة عن يونس أنه سأل رؤبة بن العجاج عن هذه الآية فقال: ليس له أن يقتله عمدًا ولا خطأ ، ولكنه أقام إلا مقام الواو ، وهو كقول الشاعر: وكل أخ مفارقه أخوه
لعمر أبيك إلا الفرقدان
والذي يظهر أن قوله: إلا خطأ ، استثناء منقطع ، وهو قول الجمهور منهم: أبان بن تغلب . والمعنى: لكن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ ، والقتل عند مالك عمد وخطأ ، فيقاد باللطمة ، والعضة ، وضرب السوط مما لا يقتل غالبًا . وعند الشافعي: عمد ، وشبه عمد . ولا قصاص في شبه العمد ، ولا الخطأ . وعند أبي حنيفة: عمد ، وخطأ ، وشبه ، عمد ، وما ليس بخطأ ولا عمد ولا شبه عمد . والخطأ ضربان: أن يقصد رمي مشرك أو طائر فيصيب مسلمًا ، أو يظنه مشركًا لكونه عليه سيما أهل الشرك ، أو في حيزهم . وشبه العمد ما يعمد بما لا يقتل غالبًا من حجر أو عصا ، وما ليس بخطأ ولا عمد ولا شبه عمد قتل الساهي والنائم . وقرأ الجمهور خطاء على وزن بناء . وقرأ الحسن والأعمش: على وزن سماء ممدودًا . وقرأ الزهري: على وزن عصا مقصورًا لكونه خفف الهمزة بإبدالها ألفًا ، أو إلحاقًا بدم ، أو حذف الهمزة حذفًا كما حذف لام دم . وقال ابن عطية: وجوه الخطأ كثيرة ، ومربطها عدم القصد .
( وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ( التحرير: الإعتاق ، والعتيق: الكريم ، لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد . ومنه عتاق الطير ، وعتاق الخيل لكرامها . وحر الوجه أكرم موضع منه ، والرقبة عبر بها عن النسمة ، كما عبر عنها بالرأس في قولهم: فلان يملك كذا رأسًا من الرقيق . والظاهر أنَّ كل رقبة اتصفت بأن يحكم لها بالإيمان منتظم تحت قوله: رقبة مؤمنة ، انتظام عموم البدل . فيندرج فيها من ولد بين مسلمين ، ومن أحد أبويه مسلم ، صغيرًا كان أو كبيرًا ، ومن سباه مسلم من دار الحرب قبل البلوغ .
وقال إبراهيم: لا يجزى إلا البالغ . وقال ابن عباس ، والحسن ، والشعبي ، والنخعي ، وقتادة ، وغيرهم: لا يجزىء إلا التي صامت وعقلت الإيمان ، لا يجزىء في ذلك الصغيرة . وقال أبو حنيفة ، والأوزاعي ، ومالك ، والشافعي ، وأبو يوسف ، ومحمد بن زياد ، وزفر: يجزى في كفارة القتل الصبي إذا كان أحد أبويه مسلمًا . وقال عطاء: يجزىء الصغير المولود بين المسلمين . وقال مالك: من صلى وصام أحب إليّ ، ولا خلاف أنّ قوله: ومن قتل مؤمنًا ، ينتظم الصغير والكبير ، وكذلك ينبغي أن يكون في فتحرير رقبة مؤمنة . قال ابن عطية: وأجمع أهل العلم على أن الناقص النقصان الكبير كقطع اليدين والرجلين والأعمى ، لا يجزىء فيما حفظت ، فإن كان يسيرًا يمكن معه المعيشة والتحرف كالعرج ونحوه ففيه قولان . وقال أبو بكر الرازي: لا خلاف بين الأمة أنه لا يجزىء في الكفارة أعمى ، ولا مقعد ، ولا مقطوع اليدين أو الرجلين ، ولا أشلهما ، واختلفوا في الأعرج . وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجزىء مقطوع إحدى اليدين أو الرجلين . وقال مالك والشافعي والأكثرون: لا يجزىء عند أكثرهم المجنون المطبق ، ولا عند مالك الذي يجن ويفيق ، ولا المعتق إلى سنين ، ويجزئان عند الشافعي . ولا يجزىء المدبر عند مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي ، ويجزىء في قول الشافعي وأبي ثور ، واختاره ابن المنذر . وقال مالك: لا يصح من أعتق بعضه ، واختلفوا في سبب وجوب الكفارة في قتل الخطأ .