فهرس الكتاب
"صفحة رقم 351"
إن تذنبوا ثم يأتيني نعيقكم
فما عليّ بذنب عندكم قوت
المعنى: ثم أنتم يأتيني نعيقكم . وهذا أوجه من أن يحمل على ألم يأتيك انتهى . وخرج على وجه آخر وهو: أن رفع الكاف منقول من الهاء ، كأنه أراد أن يقف عليها ، ثم نقل حركة الهاء إلى الكاف كقوله: من عرى سلبي لم أضربه يريد: لم أضربه ، فنقل حركة الهاء إلى الباء المجزومة . وقرأ الحسن بن أبي الحسن ، ونبيح ، والجراح: ثم يدركه بنصب الكاف ، وذلك على إضمارات كقول الأعشى:
ويأوي إليها المستجير فيعصما قال ابن جني: هذا ليس بالسهل ، وإنما بابه الشعر لا القرآن وأنشد أبو زيد فيه:
سأترك منزلي لبني تميم
وألحق بالحجاز فأستريحا
والآية أقوى من هذا لتقدم الشرط قبل المعطوف انتهى . وتقول: أجرى ثم مجرى الواو والفاء ، فكما جاز نصب الفعل بإضمار أنْ بعدهما بين الشرط وجوابه ، كذلك جاز في ثم إجراء لها مجراهما ، وهذا مذهب الكوفيين ، واستدلوا بهذه القراءة . وقال الشاعر في الفاء:
ومن لا يقدم رجله مطمئنة
فيثبتها في مستوى القاع يزلق
وقال آخر في الواو:
ومن يقترب منا ويخضع نوؤه
ولا يخش ظلمًا ما أقام ولا هضما
وقالوا: كل هجرة لغرض ديني من: طلب علم ، أو حج ، أو جهاد ، أو فراء إلى بلد يزداد فيه طاعة ، أو قناعة ، وزهدًا في الدنيا ، أو ابتغاء رزق طيب ، فهي هجرة إلى الله ورسوله . وإنْ أدركه الموت فأجرُه على الله تعالى .
قيل: وفي الآية دليل على أن الغازي إذا خرج إلى العزو ومات قبل القتال فله سهمه وإن لم يحضر الحرب . روي ذلك عن أهل المدينة ، وابن المبارك ، وقالوا: إذا لم يحرم الأجر لم يحرم الغنيمة . ولا تدل هذه الآية على ذلك ، لأن الغنيمة لا تستحق إلا بعد الحيازة ، فالسهم متعلق بالحيازة ، وهذا مات قبل أن يغنم ، ولا حجة في قوله: فقد وقع أجره على الله على ذلك ، لأنه لا خلاف في أنه لو مات في دار الإسلام وقد خرج إلى الغزو وما دخل في دار الحرب ، أنه لا يسهم له ، وقد وقع أجره على الله كما وقع أجر الذي خرج مهاجرًا فمات قبل بلوغه دار الهجرة .
( وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ( أي: غفورًا لما سلف من ذنوبه ، رحيمًا بوقوع أجره عليه ومكافأته على هجرته ونيته .
وتضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والبديع . منها الاستعارة في قوله: إذا ضربتم في سبيل الله ، استعار الضرب للسعي في قتال الأعداء ، والسبيل لدينه ، وفي: لا يستوي عبَّر به وهو حقيقة في المكان عن التساوي في المنزلة والفضيلة وفي: درجة حقيقتها في المكان فعبر به عن المعنى الذي القتضى التفضيل ، وفي: يدركه استعار الإدراك الذي هو صفة من فيه حياة لحلول الموت ، وفي: فقد وقع