فهرس الكتاب

الصفحة 1489 من 4224

"صفحة رقم 370"

مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مّن رّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلًا ( وإلى هذه الجملة أشار المفسرون ، ولهذا قالوا: هو تغيير أحكام الله . وقيل: هو تغيير الإنسان بالاستلحاق أو النفي . وقيل: خضاب الشيب بالسواد . وقيل: معاقبة الولاة بعض الجناة بقطع الآذان ، وشق المناخر ، وسمل العيون ، وقطع الأنثيين . ومن فسر بالوشم أو الخصاء أو غير ذلك مما خو خاص في التغيير ، فإنما ذلك على جهة التمثيل لا الحصر . وفي حديث عياض المجاشعي: ) وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإن الشياطين ألهتهم وأحالتهم عن دينهم ، فحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا ، وأمرتهم أن لا يغيروا خلقي ) .

ومفعول أمر الثاني محذوف أي: ولآمرنهم بالتبتيك فيبتكن ، ولآمرنهم بالتغير فليغيرن . وحذف لدلالة ما بعده عليه . وقرأ أبو عمرو: ولآمرنهم بغير ألف ، كذا قاله ابن عطية . وقرأ أبي: وأضلنهم وأمنينهم وآمرنهم انتهى . فتكون جملًا مقولة ، لا مقسمًا عليها . وجاء ترتيب هذه الجمل المقسم عليها في غاية من الفصاحة ، بدأ أولًا باستخلاص الشيطان نصيبًا منهم واصطفائه إياهم ، ثم ثانيًا بإضلالهم وهو عبارة عما يحصل في عقائدهم من الكفر ، ثم ثالثًا بتمنيتهم الأماني الكواذب والإطماعات الفارغة ، ثم رابعًا بتبتيك آذان الأنعام ، هو حكم لم يأذن الله فيه ، ثم خامسًا بتغيير خلق الله وهو شامل للتبتيك وغيره من الأحكام التي شرعها لهم . وإنما بدأ بالأمر بالتبتيك وإن كان مندرجًا تحت عموم التغيير ، ليكون ذلك استدراجًا لما يكون بعده من التغيير العام ، واستيضاحًا من إبليس طواعينهم في أول شيء يلقيه إليهم ، فيعلم بذلك قبولهم له . فإذا قبلوا ذلك أمرهم بجميع التغييرات التي يريدها منهم ، كما يفعل الإنسان بمن يقصد خداعه: يأمره أولًا بشيء سهل ، فإذا رآه قد قبل ما ألقاه إليه من ذلك أمره بجميع ما يريد منه . وإقسام إبليس على هذه الأشياء ليفعلنها علم ذلك ، وأنها تقع إمّا لقوله تعالى . ) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ( أو لكونه علم ذلك من جهة الملائكة ، أو لكونه لما استنزل آدم علم أن ذريته أضعف منه .

( وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا ( أي من يؤثر حظ الشيطان على حظه من الله . وكأنه لما قال إبليس: لأتخذن من عبادك نصيبًا ، فذكر أنه يصطفيهم لنفسه ، أخبر أنهم قبلوا ذلك الاتخاذ وانفعلوا له ، فاتخذوه وليًا من دون الله . والوليّ هنا قال مقاتل: بمعنى الرب . وقال أبو سليمان لدمشقي: من الموالاة ، ورتب على هذا الاتخاذ الخسران المبين ، لأن من ترك حظه من الله لحظ الشيطان فقد خسرت صفقته . وقوله: من دون الله ، قيد لازم . لأنه لا يمكن أن يتخذ الشيطان وليًا إلا إذا لم يتخذ الله وليًا ، ولا يمكن أن يتخذ الشيطان وليًا ويتخذ الله وليًا ، لأنهما طريقان متباينان ، لا يجتمعان هدى وضلالة . وهذه الجملة الشرطية محذرة من اتباع الشيطان .

النساء: ( 120 ) يعدهم ويمنيهم وما . . . . .

( يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ ( لفظان متقاربان والمعنى: أن الذي أقسم عليه مِن أن يمنيهم وقع بإخبار الله تعالى عنه بذلك ، واكتفى من الإخبار عن وقوع تلك الجمل التي أقسم عليها إبليس بوضوحها وظهورها . ولما كان الوعد والتمنية من أمور الباطن ، أخبر الله عنه بها . والمعنى: أنه يعدهم بالأمور الباطلة والزخارف الكاذبة ، وأنه لا ثواب ولا عقاب .

( وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا ( قرأ الأعمش: وما يعدهم يسكون الدال ، خفف لتوالي الحركات . وتقدّم تفسير الغرور ومعناه: هنا الخدع التي تظن نافعة ، ويكشف الغيب أنها ضارة . واحتمل النصب أن يكون مفعولًا ثانيًا ، أو مفعولًا من أجله ، أو مصدرًا على غير الصدر لتضمين يعدهم معنى يغرهم ، ويكون ثم وصف محذوف أي: إلا غرورًا واضحًا أو نحوه ، أو نعتًا لمصدر محذوف أي: وعدًا غرور . أي: ذا غرور .

النساء: ( 121 ) أولئك مأواهم جهنم . . . . .

( أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا ( أخبر تعالى أنّ المكان الذي يأوون إليه ويستقرون فيه هو جهنم ، وأنهم لا يجدون عنها مراغًا يروغون إليه . وعنها: لا يجوز أن تتعلق بمحذوف ، لأنها لا تتعدّى بعن ، ولا بمحيصا وإن كان المعنى عليه لأنه مصدر ، فيحتمل أن يكون ذلك تبيينًا على إضمارًا عني . وجوزوا أن يكون حالًا من محيص ، فيتعلق بمحيص أي: كائنًا عنها ، ولو تأخر لكان صفة .

النساء: ( 122 ) والذين آمنوا وعملوا . . . . .

( وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ( لما ذكر مأوى الكفار ، ذكر مأوى المؤمنين ، وأسند الفعل إلى نون العظمة ، اعتناء بأنه تعالى هو الذي يتولى إدخالهم الجنة وتشريفًا لهم . وقرىء: سيدخلهم بالياء . ولما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت