فهرس الكتاب
"صفحة رقم 371"
رتب تعالى مصير مَن كان تابعًا لإبليس إلى النار لإشراكه وكفره وتغيير أحكام الله تعالى ، رتّب هنا دخول الجنة على الإيمان وعمل الصالحات .
( وَعْدَ اللَّهِ حَقّا ( لما ذكر أنّ وعد الشيطان هو غرور باطل ، ذكر أنّ هذا الوعد منه تعالى هو الحق الذي لا ارتياب فيه ، ولا شك في إنجازه . والذين مبتدأ ، وسيدخلهم الخير . ويجوز أن يكون من باب الاشتغال أي: وسندخل الذين آمنوا سندخلهم . وانتصب وعد الله حقًا على أنه مصدر مؤكد لغيره ، فوعد الله مؤكدًا لقوله: سيدخلهم ، وحقًا مؤكد لوعد الله .
( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ( القيل والقول واحدًا ، أي: لا أحد أصدق قولًا من الله . وهي جملة مؤكدة أيضًا لما قبلها . وفائدة هذه التواكيد المبالغة فيما أخبر به تعالى عباده المؤمنين ، بخلاف مواعيد الشيطان وأمانته الكاذبة المخلفة لأمانيه .
النساء: ( 123 ) ليس بأمانيكم ولا . . . . .
( لَّيْسَ بِأَمَانِيّكُمْ وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الْكِتَابِ ( قال ابن عباس ، والضحاك ، وأبو صالح ، ومسروق ، وقتادة ، والسدي ، وغيرهم: الخطاب للأمة . قال بعضهم: اختلفوا مع قوم من أهل الكتاب فقالوا: ديننا أقدم من دينكم . وأفضل ، فنبينا قبل نبيكم . وقال المؤمنون: كتابنا يقضي على الكتب ، ونبينا خاتم الأنبياء ، ونحو هذا من المحاورة فنزلت . وقال مجاهد وابن زيد: الخطاب لكفار قريش ، وذلك أنهم قالوا: لن نبعث ولن نعذب ، وإنما هي حياتنا لنا فيها النعيم ، ثم لا عذاب . وقالت اليهود: نحن أبناء الله وأحباؤه . إلى نحو هذا من الأقوال كقولهم .
( لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى( فرد الله تعالى على الفريقين .
وقال الزمخشري في ليس: ضمير وعد الله ، أي: ليس ينال ما وعد الله من الثواب بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب . والخطاب للمسلمين ، لأنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به ، ولذلك ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم لهم في الإيمان . وعن الحسن: ليس الإيمان بالتمني ، ولكن ما وقر في القلب ، وصدقه العمل . إنَّ قومًا ألهتم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم ، وقالوا: نحسن الظن بالله ، وكذبوا لو أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل . ويحتمل أن يكون الخطاب للمشركين لقولهم: إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيرًا منهم وأحسن حالًا ، لأوتين مالًا وولدًا إن لي عنده للحسنى . وكان أهل الكتاب يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة ، ويعضده تقدم ذكر أهل الشرك انتهى .
وعلى هذه الأقوال وقع الاختلاف في اسم ليس ، وأقر بها أنَّ الذي يعود الضمير عليه هو الوعد من أنه تعالى يدخلهم الجنة ، ويليه أن يعود على الإيمان المفهوم من قوله: )وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ( كما ذهب إليه الحسن ، ثم إنه يعود على ما وقعت فيه محاورة المؤمنين وأهل الكتاب ، أو ما قالته قريش وأهل الكتاب على ما مر ذكره . وقال الحوفي: اسم ليس مضمر فيها على معنى: ليس الثواب عن الحسنات ولا العقاب على السيئات بأمانيكم ، لأنّ الاستحقاق إنما يكون بالعمل ، لا بالأماني . وقال أبو البقاء: ليس مضمر فيها ولم يتقدم له ذكر ، وإنما دل عليه سبب الآية ، وذلك أن اليهود والنصارى قالوا: نحن أصحاب الجنة . وقال المشركون: لا نبعث . فقال: ليس بأمانيكم أي: ليس ما ادعيتموه بأمانيكم . وقرأ الحسن ، وأبو جعفر ، وشيبة بن نصاح ، والحكم ، والأعرج: بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ساكنة الياء ، جمع على فعالل ، كما يقال: قراقير وقراقر ، جمع قرقور .
( مَن يَعْمَلُ ( قال الجمهور: اللفظ عام ، والكافر والمؤمن مجازيان بالسوء يعملانه . فمجازاة الكافر النار ، والمؤمن بنكبات الدنيا . فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لما نزلت قلت: يا رسول الله ما أشد هذه الآية جاءت قاصمة الظهر ، فقال( صلى الله عليه وسلم ) )