فهرس الكتاب
"صفحة رقم 398"
ذكر من أحوال المنافقين وذمهم وإظهار فضائحهم ما ذكر ، وبين ظلمهم واهتضامهم جانب المؤمنين ، سوّغ هنا للمؤمنين أن يذكروهم بما فيهم من الأوصاف الذميمة . وقال عليه السلام: ( اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس ) . وقرأ الجمهور: إلا من ظلم مبنيًا للمفعول . وقال ابن عباس وغيره: إلا من ظلم ، فإنّ له أن يدعو على من ظلمه ، وكان ذلك رخصة من الله له ، وإن صبر فهو خير له . وقال الحسن: لا يدعو عليه ، ولكن ليقل: اللهم أعني عليه ، اللهم استخرج حقي ، اللهم حل بينه وبين ما يريد من ظلمي . وقال ابن جريج: يجازيه بمثل فعله ، ولا يزيد عليه . وقيل: هو أن يبدأ بالشتم فيردّ علي من شتمه ، وتقدم قول مجاهد أنها في الضيف يشكو سوء صنيع المضيف معه ، ونسب إلى الظلم لأنه مخالف للشرع والمروءة . وقال المنير: معناه إلا مَن أكره على أن يجهر بالسوء كفرًا ونحوه فذلك مباح ، والآية في الإكراه ، وهذا الاستثناء متصل على تقدير حذف مضاف أي: الأجهر من ظلم . وقيل: الاستثناء منقطع والتقدير: لكنّ المظلوم له أن ينتصف من ظالمه بما يوازى ظلامته قاله: السدي ، والحسن ، وغيرهما . وبالسوء متعلق بالجهر ، وهو مصدر معرّف بالألف واللام ، والفاعل محذوف ، وبالجهر في موضع نصب . ومن أجاز أن ينوي في المصدر بناؤه للمفعول الذي لم يسم فاعله قدّر أنّ بالسوء في موضع رفع ، التقدير: أن يجهر مبنيًا للمفعول الذي لم يسم فاعله . وجوّز بعضهم أن يكون من ظلم بدلًا من ذلك الفاعل المحذوف التقدير: أن أحد إلا المظلوم ، وهذا مذهب الفراء . أجاز الفراء فيما قام إلا زيد أن يكون زيد بدلًا من أحد . وأما على مذهب الجمهور فإنه يكون من المستثنى الذي فرغ له العامل ، فيكون مرفوعًا على الفاعلية بالمصدر . وحسن ذلك كون الجهر في حيز النفي ، وكأنه قيل: لا يجهر بالسوء من القول إلا المظلوم . وقرأ ابن عباس ، وابن عمر ، وابن جبير ، وعطاء بن السائب ، والضحاك ، وزيد بن أسلم ، وابن أبي إسحاق ، ومسلم بن يسار ، والحسن ، وابن المسيب ، وقتادة ، وأبو رجاء: إلا من ظلم مبنيًا للفاعل ، وهو استثناء منقطع . فقدره الزمخشري: لأن الظالم راكب ما لم يحبه الله فيجهر بالسوء . وقال ابن زيد: المعنى إلا من ظلم في فعل أو قول فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن فعله ، والتوبيخ والرد عليه . قال: وذلك أنه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار ، كان ذلك خبرًا بسوء من القول ثم قال لهم بعد ذلك: ) مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ ( الآية على معنى التأسيس والاستدعاء إلى الشكر والإيمان ، ثم قال للمؤمنين: ) لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوء مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ( في إقامته على النفاق ، فإنه يقول له: ألست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدرك الأسفل ؟ ونحو هذا من الأقوال . وقال قوم: تقديره: لكنّ من ظلم فهو يجهر بالسوء وهو ظالم في ذلك ، فهي ثلاثة تقادير في هذا الاستثناء المنقطع: أحدها: راجع للجملة الأولى وهي لا يجب ، كأنه قيل: لكن الظالم يحب الجهر بالسوء فهو يفعله ، والثاني: راجع إلى فاعل الجهر أي: لا بحب الله أن يجهر أحد بالسوء ، لكنَّ الظالم يجهر بالسوء . والثالث: راجع إلى متعلق الجهر الفضلة المحذوفة أي: أن يجهر أحدكم لأحد بالسوء ، لكن من ظلم فاجهروا له بالسوء . قال ابن عطية: وإعراب من يحتمل في بعض هذه التأويلات النصب ، ويحتمل الرفع على البدل من أحد المقدر انتهى . ويعني بأحد المقدر في المصدر إذ التقدير أن يجهر أحد ، وما ذكره من جواز الرفع على البدل لا يصح ، وذلك أن الاستثناء المنقطع على قسمين: قسم يسوغ فيه البدل وهو ما يمكن توجه العامل عليه نحو: ما في الدار أحد إلا حمار ، فهذا فيه البدل في لغة تميم ، والنصب على الاستثناء المنقطع في لغة الحجاز . وإنما جاز فيه البدل ، لأنك لو قلت: ما في الدار إلا حمار صح المعنى . وقسم يتحتم فيه النصب على الاستثناء ولا يسوغ فيه البدل ، وهو مالا يمكن توجه العامل عليه نحو: