فهرس الكتاب

الصفحة 1534 من 4224

"صفحة رقم 415"

إلى المعرفة ، والرسل في أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر في تلك الأدلة ، ولا عرفوا أنهم رسل الله إلا بالنظر فيها ؟ قلت: الرسل منهيون عن الغفلة ، وباعثون على النظر كما ترى علماء العدل والتوحيد ، مع تبليغ ما حملوه من تفصيل أمور الدين ، وبيان أحوال التكليف وتعلم الشرائع ، فكان إرسالهم إزاحة للعلة وتتميمًا لإلزام الحجة لئلا يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولًا فيوقظنا من سنة الغفلة وينبهنا لما وجب الانتباه له انتهى . وقوله: لئلا هو كالتعليل لحالتي: التبشير والإنذار . والتبشير هو بالجنة ، والإنذار هو بالنار . وليس الثواب والعقاب حاكمًا بوجوبهما العقل ، وإنما هو مجوّز لهما ، وجاء السمع فصارا واجبًا وقوعهما ، ولم يستفد وجوبهما إلا من البشارة والنذارة . فلو لم يبشر الرسل بالجنة لمن امتثل التكاليف الشرعية ، ولم ينذروا بالنار من لم يمتثل ، وكانت تقع المخالفة المترتب عليها العقاب بما لا شعور للمكلف بها من حيث أن الله لا يبعث إليه من يعلمه بأنّ تلك معصية ، لكانت له الحجة إذ عوقب على شيء لم يتقدم إليه في التحذير من فعله ، وأنه يترتب عليه العقاب . وأما ما نصبه الله تعالى من الأدلة العقلية فهي موصلة إلى المعرفة والإيمان بالله بعلى ما يجب ، والعلل في الآية هو غير المعرفة والإيمان بالله ، فلا يرد سؤال الزمخشري . وانتصب رسلًا على البدل وهو الذي عبر عنه الزمخشري بانتصابه على التكرير . قال: والأوجه أن ينتصب على المدح . وجوّز غيره أن يكون مفعولًا بأرسلنا مقدرة ، وأن يكون حالًا موطئة . ولئلا متعلقة بمنذرين على طريق الإعمال . وجوّز أن يتعلق بمقدر أي: أرسلناهم بذلك أي: بالبشارة والنذارة لئلا يكون

)وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ( أي لا يغالبه شيء ، ولا حجة لأحد عليه ، صادرة أفعاله عن حكمة ، فلذلك قطع الحجة بإرسال الرسل . وقيل: عزيزًا في عقاب الكفار ، حكيمًا في الأعذار بعد تقدم الإنذار .

النساء: ( 166 ) لكن الله يشهد . . . . .

( لَّاكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ( الاستدراك بلكن يقتضي تقدم جملة محذوفة ، لأنّ لكن لا يبتدأ بها ، فالتقدير ما روي في سبب النزول وهو: أنه لما نزل إنا أوحينا إليك قالوا: ما نشهد لك بهذا ، لكن الله يشهد ، وشهادته تعالى بما أنزله إليه إثباته بإظهار المعجزات كما تثبت الدعاوى بالبينات . وقرأ السلمي والجراح الحكمي: لكنّ الله بالتشديد ، ونصب الجلالة . وقرأ الحسن بما أنزل إليك مبنيًا للمفعول .

( أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ( قرأ السلمي: نزّله مشددًا . قال الزجاج: أنزله وفيه علمه . وقال أبو سليمان الدمشقي: أنزله من علمه . وقال ابن جريج: أنزله إليك بعلم منه أنك خيرته من خلقه . وقيل: أنزله إليك بعلمه أنك أهل لإنزاله عليك لقيامك بحقه ، وعلمك بما فيه ، وحسن دعائك إليه ، وحثك عليه . وقيل: بما يحتاج إليه العباد . وقيل: بعلمه أنّك تبلغه إلى عباده من غير تبديل ولا زيادة ولا نقصان . قال ابن عطية: هذه الآية من أقوى متعلقات أهل السنة في إثبات علم الله تعالى ، خلافًا للمعتزلة في أنهم يقولون: عالم بلا علم . والمعنى عند أهل السنة: أنزله وهو يعلم إنزاله ونزوله . ومذهب المعتزلة في هذه الآية: أنه أنزله مقترنًا بعلمه ، أي فيه علمه من غيوب وأوامر ونحو ذلك ، فالعلم عبارة عن المعلومات التي في القرآن كما هو في قول الخضر ، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما ينقص هذا العصفور من هذا البحر . وقال الزمخشري: أنزله ملتبسًا بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره ، وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان ، وموقعه مما قبله موقع الجملة المفسرة ، لأنه بيان للشهادة بصحته أنه أنزله بالنظم المعجز الفائت للقدر ، ويحتمل أنه أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد من الملائكة .

( وَالْمَلَئِكَةُ يَشْهَدُونَ ( أي بما أنزل الله إليك . وشهادة الملائكة تبع لشهادة الله ، وقد علم بشهادة الله له ، إذ أظهر على يديه المعجزات ، وهذا على سبيل التسلية له عن تكذيب اليهود ، إن كذبك اليهود وكذبوا ما جئت به من الوحي ، فلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت