فهرس الكتاب

الصفحة 1621 من 4224

"صفحة رقم 502"

وغصب المال . فأما نوازل الأحكام التي لا تظالم ، ويتسلط عليهم في تغيير ، ومن ذلك جنس السلع المبيعة وغصب المال . فأما نوازل الأحكام التي لا تظالم فيها ، وإنما هي دعاء ومحتملة ، فهي التي يخير فيها الحاكم انتهى . وفيه بعض تلخيص . وظاهر الآية يدل على مجيء المتداعيين إلى الحاكم ، ورضاهما يحكمه كاف في الإقدام على الحكم بينهما . وقال ابن القاسم: لا بد مع ذلك من رضا الأساقفة والرهبان ، فإنْ رضي الأساقفة دون الخصمين ، أو الخصمان دون الأساقفة ، فليس له أن يحكم . وقال ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، والزهري ، وغيرهم: فإن جاؤوك يعني أهل نازلة الزانيين ، ثم الآية تتناول سائر النوازل . وقال قوم: في قتيل اليهود من قريظة والنضير . وقال قوم: التخيير مختص بالمعاهدين لازمة لهم . ومذهب الشافعي: أنه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه ، لأنّ في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارًا لهم ، فأما المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة فليس بواجب عليه أن يحكم بينهم ، بل يتخير في ذلك ، وهو التخيير الذي في الآية وهو مخصوص بالمعاهدين . وروي عن الشافعي مثل قول عطاء والنخعي .

( وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا ( أي أنت آمن من ضررهم ، منصور عليهم على كل حال . وكانوا يتحاكمون إليه لطلب الأيسر والأهون عليهم ، فالجلد مكان الرجم ، فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة بينهم شق عليهم وتكرهوا إعراضه عنهم ، وكانوا خلقاء بأن يعادوه ويضروه ، فأمنه الله منهم ، وأخبره أنهم ليسوا قادرين على شيء من ضرره .

( وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ( أي: وإن أردت الحكم بالقسط بالعدل كما تحكم بين المسلمين . والقسط: هو المبين في قوله: ) وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ( ، وهو( صلى الله عليه وسلم ) ) لا يحكم إلا بالقسط ، فهو أمر معناه الخبر أي: فحكمك لا يقع إلا بالعدل ، لأنك معصوم من اتباع الهوى .

( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( وأنت سيدهم ، فمحبته إياك أعظم من محبته إياهم . وفيه حث على توخي القسط وإيثاره ، حيث ذكر الله أنه يحب من اتصف به .

المائدة: ( 43 ) وكيف يحكمونك وعندهم . . . . .

( وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ( هذا تعجيب من تحكيمهم إياه مع أنهم لا يؤمنون به ولا بكتابه . وفي كتابهم الذي يدعون الإيمان به حكم الله تعالى نص جلي ، فليسوا قاصدين حكم الله حقيقة ، وإنما قصدوا بذلك أن يكون عنده( صلى الله عليه وسلم ) ) رخصة فيما تحاكموا إليه فيه اتباعًا لأهوائهم ، وأنهماكًا في شهواتهم . ومن عدل عن حكم الله في كتابه الذي يدعي أنه مؤمن به إلى تحكيم من لا يؤمن به ولا بكتابه ، فهو لا يحكم إلا رغبة فيما يقصده من مخالفة كتابه . وإذا خالفوا كتابهم لكونه ليس على وفق شهواتهم ، فلأنْ يخالفوك إذا لم توافقهم أولى وأحرى . والواو في: وعندهم ، للحال وعندهم التوراة مبتدأ وخبر ، وقوله: فيها . حكم الله ، حال من التوراة ، وارتفع حكم على الفاعلية بالجار والمجرور أي: كائنًا فيها حكم الله . ويجوز أن يكون فيها في موضع رفع خبرًا عن التوراة كقولك: وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله . وأو لا محل له ، وتكون جملة مبينة ، لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كما تقول: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره ؟ وهذان الإعرابان للزمخشري .

( ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذالِكَ ( أي من بعد تحكيمك الموافق لما في كتابهم ، لأن التعجيب من التحكيم إنما كان بعد صدوره منهم ، ثم تولوا عنه ولم يرضوا به . وقال ابن عطية: من بعد ذلك ، أي من بعد حكم الله في التوراة وما أشبهه من الأمور التي خالفوا فيها أمر الله انتهى . وهذه الجملة مستأنفة أي: ثم هم يتولون بعد . وهي أخبار من الله بتوليهم على عادتهم في أنهم إذا وضح لهم الحق أعرضوا عنه وتولوا . قال الزمخشري:( فإن قلت ) : علام عطف ثم يتولون ؟ ( قلت ) : على يحكمونك انتهى . ويكون إذ ذاك داخلًا في الاستفهام الذي يراد به التعجب ، أي ثمّ كيف يتولون بعد ذلك ، فيكون قد تعجب من تحكيمهم إياه ، ثم من توليهم عنه . أي: كيف رضوا به ثم سخطوه ؟ .

( وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( ظاهره نفي الإيمان عنهم ، أي: من حكم الرسول ، وخالف كتابه ، وأعرض عما حكم له ، إذ وافى كتابه فهو كافر . وقيل: هو إخبار عنهم أنهم لا يؤمنون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت